وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال: إلا ما أريد به وجهه.
وأخرج البيهقي في"شعب الإيمان"عن سفيان: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال: إلا ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة" [1] ."
"قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} بعد قوله: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ 86} وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {87} وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2] ."
فإن ذكر ذلك بعد نهيه عن الإشراك، وأن يدعو معه إلهًا آخر، وقوله: {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} يقتضي في أظهر الوجهين، وهو أن كل شيء هالك إلا ما كان لوجهه من الأعيان، والأعمال.
روي عن أبي العالية قال: إلا ما أريد به وجهه.
وعن جعفر الصادق: إلا دينه، ومعناهما واحد" [3] ."
قال ابن كثير:"وقال مجاهد والثوري"في قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في"صحيحه"كالمقرر له.
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله - عز وجل - من الأعمال الصالحة، المطابقة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
والقول الأول مقتضاه: أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته -تعالى-، فإنه الأول، والآخر، الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء" [4] ."
(1) "الدر المنثور" (6/447) .
(2) الآيات 86- 88 من سورة القصص.
(3) "مجموع الفتاوى" (2/427) .
(4) "تفسير ابن كثير" (6/272) .