مثال يوضح ذلك: مما انتقده الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قضية التحكيم. وقد استدلوا على قولهم بإبطال التحكيم بقول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} قالوا: إن الله نفى أن يكون لغيره حكم، لا يجوز تحكيم الرجال في شرع الله، ومن حكم الرجال كفر. وهذا الاستدلال منهم ظاهره أنه صحيح، لأن الله يقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ، لكن هذه الآية مبينة في آيات أخرى قضى الله فيها أن الرجال يحكمون في قضايا، فإذا حكموا في هذه القضايا فإن ذلك التحكيم من جعل الحكم لله وحده لأنه هو الذي أمر بذلك. قال تعالى في جزاء الصيد في الحرم: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فحكمهم حكم من الله. وقال تعالى في الزوجين إذا اختصما: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} .
فهكذا أهل الباطل إنما يؤتون من استدلالاتهم العوجاء البعيدة عن مقاصد الشريعة. فالإجمال مطيتهم التي يركبون في بيداء باطلهم، وزادهم الذي يقرون به ضيفهم.