قال: فسمعنا أم المؤمنين من أحدِ حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: «ألا إِنَّ نبيكم قد برئ ممَّن فَرَق دينه واحتزب» , وتلت قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} .
فالأحزاب والجماعات فرقة نهى الله تعالى عنها، وبرأ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم منها، وبين سوء عاقبتها في الدين والدنيا، فلا يعين عليها إلا جاهلٌ أو زنديق، ولا يحب إشاعتها في المؤمنين إلا خائن ذو غِلٍّ عظيم.
وهل قامت أو تقوم هذه الأحزاب إلا على «السرية» التي ليست في دين الإسلام بعد أن أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} , وهل السرِّية بعد ذلك إلا دليل على فساد وضلال يتخفى أصحابه من أعين أهل العلم خشية الانفضاح. يقول الخليفة الرَّاشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه: «إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَتَنَاجَوْنَ فِي دِينِهِمْ بِشَيْءٍ دُونَ الْعَامَّةِ, فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَاسِيسِ ضَلَالَةٍ» , أخرجه أحمد في «الزهد» واللالكائي في «السنة» , وصدق ـ وايم الله ـ فإنه ما انفتح باب سوء على المسلمين كباب السريات التي أنبتت كل مذهب باطلٍ، يهدم الإسلام ويزعم أنه ناصر له. وتاريخ نشوء الفرق الضالة خير شاهد على تصديق ذلك.
فالمسلم العاقل لا ينخدع بالمظهر دون المخبر، ولا يكون غرًّا يتأثر بالشعارات. فما أكثر الشعارات الداعية إلى الإسلام، إلا أن الشعار الصادق واحد ليس له ثانٍ {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} , يقول صلى الله عليه وسلم عن الفرق التي ستكون في أمته، وهي ثلاث وسبعون فرقة «كُلهَا في النَّارِ إِلا وَاحدة هي الجَّماعة» .
فإياك إياك أيها المسلم وهذه الأحزاب، فإنك إن تلق الله بكبائر الذنوب ـ سوى الشرك بالله ـ أيسر من أن تلقاه بهذه المحدثات التي ألصقت بالشرع زورًا وبهتانًا.