وعلى قدر ما يفوح من لسانه المدح الغالي؛ على قدر ما ترى أعماله تزرع ألغامًا في طريق الأمة، كلما ثار لغم أوشك تبيعه أن يثور. فما وزن ذاك المدح والثناء؟ إن وزنه عند أهل الألباب لهباء بل لهبٌ وبلاء!!
كان ابن العلقمي ـ محمد بن محمد بن علي بن العلقمي ـ وزيرًا للخليفة المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر بالله منصور بن الظاهر بأمر الله ـ آخر خلفاء بني العباس ـ وزر له أربع عشرة سنة. ومدحه نظمًا ونثرًا. من ذلك أن المستعصم بعث إليه شدة أقلام. فقال ابن العلقمي: قبل المملوك الأرض شكرًا للإنعام عليه بأقلام قلمت أظفار الحدثان ... الخ ثم قال شعرًا:
لم يبق لي أرب إلا وقد بلغت *** نفسي أقاصيه برًا وإنعاما
تعطي الأقاليم من لم يبد مسألة *** له فلا عجب أن تعطى أقلاما
فما لبث أن بان مدحه هذا ذبحًا، ونصحه فضحًا، وولاؤه لأواء، فهو مسقط الخلافة العباسية، وجالب الجيوش التتارية لتوقع بالمسلمين ألوان الجرائم التي أذهلت أهل الدنيا إلى اليوم ... إن منصبه هذا خوله لأن يحل بالخلافة وجماعة المسلمين ما لا يستطيعه أعدى الأعداء من خارج الأمة .. لقد أقدم بكل جراءة على أن يكاتب «هولاكو» ملك التتار، بأي شيء؟ وعلى أي أمر؟ إنه يطلب منه هدم عاصمة الخلافة «بغداد» يستحثه ويجريه على ذلك!!! يضع بين يديه أحوال المسلمين وأسرارهم. وكان قبل ذلك قد سعى ـ تحت ثوب النصح ـ لدى الخليفة لتقليل عدد الجيش، فصار ما أراد وأمل، إذ بلغ عدد الجيش أقل من عشرة آلاف فارس.