قال: فرجع إلى المدنية، فاشترى الضيعة والعبد، ثم رجع، وإذا بالعبد، فقال: يا أسود، إني قد اشتريتك من مصعب. فوثب قائما، وقال: جعلني الله عليك ميمون الطلعة. قال: وإني اشتريت هذه الضيعة. فقال: أكمل الله لك خيرها. قال: وإني أشهد أنك حر لوجه الله. قال: أحسن الله جزاءك.
قال: وأشهد الله أن الضيعة مني هدية إليك. قال: جزاك الله بالحسنى. ثم قال العبد: فأشهد الله وأشهدك أن هذه الضيعة وقف مني على الفقراء.
فرجع وهو يقول: العبد أكرم منا.
قال سليمان بن إسحاق الجلاب: سمعت الحربي يقول: الأبواب تبنى على أربع طبقات: طبقة المسند، وطبقة الصحابة، وطبقة التابعين، فيقدم كبارهم، كعلقمة والأسود، وبعدهم من هو أصغر منهم، وبعدهم تابع التابعين، مثل سفيان، ومالك، والحسن بن صالح، وعبيد الله بن الحسن، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والأوزاعي.
وروى عن إبراهيم الحربي، قال: الناس على أربع طبقات: مليح يتملح، ومليح يتبغض، وبغيض يتملح، وبغيض يتبغض، فالأول: هو المنى، الثاني: يحتمل، وأما بغيض يتملح، فإني أرحمه، وأما البغيض، الذي يتبغض، فأفر منه.
قال ابن بشكوال في أخبار إبراهيم الحربي: نقلت من كتاب ابن عتاب: كان إبراهيم الحربي رجلا صالحا من أهل العلم، بلغه أن قوما من الذين كانوا يجالسونه يفضلونه على أحمد بن حنبل، فوقفهم على ذلك، فأقروا به، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لا أشبهه، ولا ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله، لا أسمعكم شيئا من العلم أبدا، فلا تأتوني بعد يومكم.
مات الحربي ببغداد، فدفن في داره يوم الاثنين، لسبع بقين من ذي الحجة، سنة خمس وثمانين ومائتين في أيام المعتضد.
قال المسعودي: كانت وفاة الحربي المحدث الفقيه في الجانب الغربي، وله نيف وثمانون سنة. . . . وكان صدوقا، عالما، فصيحا، جوادا، عفيفا، زاهدا، عابدا، ناسكا، وكان مع ذلك ضاحك السن، ظريف الطبع. . . ولم يكن معه تكبر ولا تجبر، وربما مزح مع أصدقائه بما يستحسن منه، ويستقبح من غيره.
وكان شيخ البغداديين في وقته، وظريفهم، وزاهدهم، وناسكهم، ومسندهم في الحديث، وكان يتفقه لأهل العراق قال القفطي في"تاريخ النحاة"له: كان إبراهيم الحربي رأسا في الزهد، عارفا بالمذاهب، بصيرا بالحديث، حافظا له. . . . له في اللغة كتاب:"غريب الحديث"، وهو من أنفس الكتب وأكبرها في هذا النوع.
فلما كان الليل، دق الباب، فقلت: من ذا؟ قال: رجل من الجيران فقلت: ادخل. فقال:، فأطفئ السراج حتى أدخل. فكببت شيئا على السراج، فدخل، وترك شيئا، وقام، فإذا هو منديل فيه أنواع من المآكل، وكاغد فيه خمس مائة درهم، فأنبهنا الصغار وأكلوا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)