وأمر أخيرًا أذكره: أن حجر بن عدى هذا مختلف في صحبته، والأكثر على أنه تابعى، قال الحافظ ابن حجر في (( الإصابة ) ) (1/ 313) : (( وأما البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، وخليفة بن خياط، وابن حبان فذكروه في التابعين وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة ) ). وعلى فرض التسليم له بالصحة فالواجب علينا عدم الخوض فيما شجر بين الصحابة، بل الترحم عليهم، والتصديق بعدالتهم. قال ابن حجر في مقدمته (( الإصابة ) ) (1/ 17) : (( اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ) ).
الجزء الواحد والأربعين
الجواب عما ذكره السقاف من أمر معاوية - ? - بقتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد
وأما ما ذكره السقاف من أن معاوية جعل لابن أثال جعلًا على أن يقتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، فلا يصح عنه. فقد أخرج الطبري في (( تاريخه ) ) (3/ 202) هذا الخبر عن عمر بن شبه عن على، عن مسلمة بن محارب بهذه القصة. وأورده ابن الأثير في (( الكامل ) ) (3/ 453) من غير إسناد، ولا أراه إلا اعتمد على ما أورده الطبري في تاريخه.
قلت: وعلي شيخ عمر بن شبة هو على بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف أبو الحسن المدائني، أخبارى صدوق، إلا أنه ضعف في الرواية، قال ابن عدى في (( الكامل ) ) (5/ 1855) : (( ليس بالقوى في الحديث وهو صاحب أخبار ) ). وأما قول ابن معين فيه: (( ثقة، ثقة ) )، فابن معين قد يطلق هذا الوصف على العدالة لا الضبط، فهذا الوصف محمول على عدالته لا ضبطه، وقد يطلقه مقارنة بمن هو أضعف منه، إلا أن هذا الخبر قد اسنده، فيحكم عليه بقوانين الرواية، ثم إن القارئ لترجمته في (( السير ) )للذهبي يجد أنه كان يحدث بأخبار فحدثه بأحاديث في على، فلعن بني أمية. وفي ترجمته من (( الكامل ) )أورد له ابن عدى حديثًا في فضل الحسن بن على، فمثله يخشى أن يكون من الشيعة فيتساهل في أخبار ذم معاوية. وأمر آخر أذكره للسقاف جهله أو تجاهله، وهو أن الطبرى لما اورد ذكر هذه الحادثة رضها فقال: (( وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن عبد الوليد من بلاد اروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربة مسمومة - فيما قيل - فشربها فقتلته ) ). فقول الطبرى: (( فيما قيل ) )يدل على ضعف الرواية في ذلك عنده.
واقوال للسقاف .. هل وجدت ترجمة لشيخ مسلمة بن محارب؟!! أن في شك من ذلك، فقد اجتهدت في الوقوف على ترجمة له فلم أوفق فمالك ترد فضائل معاوية لأقل مغمز في الراوى، ولا تعل أخبارًا، وردت في ذمة رواتها مجاهيل؟ أرى أن سبب ذلك كله تشيعك المفرط، وبغضك الشديد لمعاوية ?.
الجزء الثاني والأربعين
هل ذم الحسن البصري معاوية الجواب عما ذكره السقاف من ذم الحسن البصري لمعاوية بن أبي سفيان - ?
ويبقى الآن الجواب عما أورده السقاف من خبر ذم الحسن البصري لمعاوية ? والجواب عن هذا سهل هين، فإنه إنما أعتمد في ذلك على ما نقله ابن الأثير في (( الكامل ) ) (3/ 487) عن الحسن، وقد رجعت إلى (( الكامل ) )فوجدت أن ابن الأثير قد أورد هذا الخبر بغير إسناد. فكيف نسلم بصحة مثل هذا ورد في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب (( الكامل ) )لابن الأثير، والمعروف أن المغزى والسير من الأبواب التى لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.
الجزء الثالث والأربعون
فتوى الإمام أحمد - رحمه الله - فيمن يطعن في معاوية بن أبي سفيان - (رضي الله عنه)
وأخيرًا نورد هذه الفتوى العزيزة للإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في حكم من يطعن في الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان - ? - وفي حكم من يقول: إنه ليس بخال المؤمنين، وإنه ليس بكاتب الوحي، أو يقدم أحد التابعين عليه في الفضل.
* قال الخلال في (( السنة ) ) (659) : أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبدالله، ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول: إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبًا؟ قال أبو عبدالله: هذا قول سوء ردئ، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس. وسند صحيح.
* رورى الخلال (660) : أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبدالله أيما افضل: معاوية أو عمر بن عبدالعزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ? أحدًا. قال النبي ?: (( خير الناس قرني الذي بعث فيهم ) ). وسنده صحيح.
ففي الفتوى الأولى رد على السقاف فيما نفاه من خؤولة معاوية للمؤمنين، وادعاؤه أنه ليس من كتاب الوحي. وفي الثانية رد عليه في تقديمه عمر بن عبدالعزيز عليه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)