فى مثل ذلك البعد ولا نرى منها شيئا ولا اخبرنا من رآها قطّ دون معدل النهار الّا الفيلة التى يؤتى بها من تلك الناحية ولا تنتج عندنا بتّة فباضطرار اذا كان موجودا مثل هذه الحيوانات في جهة الجنوب في عرض لا يوجد في مثله من جهة الشمال مثلها ان مزاجى الموضعين مختلفان جدّا واذا اختلفا فليس اختلافهما من جهة العرض اذ العرض واحد بل من جهة هبوط الشمس في الجوّ اذا سامتت هذه المواضع عن مدارها ويبين ان الذين خلف معدل النهار بالمسافة القليلة التى تبلغها التجار الخارجون من ناحيتها الى ناحية الجنوب اشدّ سوادا وشعورهم اشدّ تفلفلا وخلقهم اشدّ تشوّها ممن كان في مثل بعدهم عن معدل النهار في جهة الشمال ونحن نجد ذلك فانهم يأتون منهم بناس كثير على ما وصفنا من الخلقة متوحّشى الطبائع متشبّهين في اكثر طبائعهم بالسباع المتوحّشة الذعرة حتّى ان كثيرا ممن يجلب منهم يلزم تلك العادة في بلادنا بعد مخالطة اهل البلاد والتغذّى باغذيتهم فقد روى غير واحد منهم انه اصيب منهم من يفعل ذلك واصيب معه بقايا اشلاء الناس فقتلوا ولم يردع ذلك غيرهم منهم لتوحّش انفسهم السبعيّة وبعدها من شبه من كان في مثل عرض بلادهم في جهة الشمال والموضع الذى عرضه في الجنوب واحد وخمسون جزءا لا يمكن ان يكون فيه عمارة لافراط الحرّ واليبس فيه اذ الحيوة في الحيوان انّما قوامها بالحارّ الرطب وتنسّم الهواء الحارّ اليابس مهلك للحيوان، وقد نجد ايضا كلّ المواضع والبلدان تختلف حالاتها وحالات اهلها وما يحدث فيها وانّما يكون ذلك على قدر قرب الشمس منها او بعدها عنهم وبيان ذلك الترك فانهم من اجل بعدهم من مدار الشمس عند صعودها وهبوطها كثرت الثلوج فيهم وغلبت الرطوبة
[. ينتج.]
[. مزجا.]
[. وبين.]
[. التجار.]
[. الهوى.]
والبرودة على ارضيهم فاسترخت لذلك اجساد اهليها وغلظت وصارت شعورهم سبطة والوانهم بيضا حمرا وغلب على طباعهم البرد وذلك لبرد اهويتهم فان المزاج البارد يولد لحما كثيرا واما حمرة الوانهم فان البرد يجمع الحرارة ويظهرها حتّى ترى ويستدلّ على ذلك بما يرى في القوم الذين لابدانهم لحم كثير والوانهم بيض اذا اصابهم البرد احمرّ وجوههم وشفاههم واصابعهم وارجلهم لان الحرّ والدم الذى يكون فيه منتشرا يجمعه البرد ومن اخلاق اهل هذه الناحية الجفاء وقطيعة الرحم وقلّة اليقين، فاما السودان والحبش فانهم يسكنون في البلاد التى تحاذيها من البروج ما بين مدار الحمل الى السرطان ولان الشمس في هبوطها وصعودها اذا كانت في تلك البروج وتوسّط السماء تكون على سمت رؤوسهم فتسخن اهويتهم وتحرقهم وتكثر الحرارة واليبس فيهم فلهذه العلّة صارت الوانهم سودا وشعورهم قططة وابدانهم يابسة نحيفة وطباعهم حارّة وكذلك دوابّهم واشجارهم ومن اخلاق اهل هذه الناحية الجفاء والذكاء،