أكون مع طالعها طالعا ... وتارة مع غائر غائرا
حتّى أرى جملة تدبيره ... وأعلم المستور والظاهرا
ووجدنا في كتاب اركان الفلسفة وتثبيت علم احكام النجوم لاحمد ابن الطيّب الحمد الله الذى نبّهنا على ما وهب لنا من خالصة انفسنا التى هى البابنا وبعثنا عليه من استعمالها بالفكرة في خلق سمواته وارضه ولم يحظر علينا بحث شئ من ذلك من لطيف وجليل وقريب او بعيد اذ غاب قوما لم يعملوا افكارهم في عجائب حكمته وبدائع قدرته وما فطر من سمواته وارضه وذرأ وبثّ فيها من صنوف خلقه وغرئب ذرؤه فقال {أولمْ يتفكّرُوا} * {فِي خلْقِ السّماواتِ والْأرْضِ واخْتِلافِ اللّيْلِ والنّهارِ} * ثم قال وما يتذكّر الّا اولو الالباب باعثا على ذلك وحاثّا عليه ثم لم يترك ذلك عزّ وجلّ مطلقا لظانّ يظنّ انه انّما قصد بهذا القول ان ينظر الناس الى السماء وكواكبها ويتفكّر في استتارها نهارا وظهورها ليلا وشروق الشارق منها وافول الغارب نظرا مطلقا لا يؤدّى الى علم علّة ولا يبحث عن سبب حتّى دلّ على مراده وذكر ذلك نصّا في كتابه فقال {والْقمر قدّرْناهُ منازِل حتّى عاد كالْعُرْجُونِ الْقدِيمِ} ثم قال عزّ ذكره {وقدّرهُ منازِل لِتعْلمُوا عدد السِّنِين والْحِساب} وقال {الشّمْسُ والْقمرُ بِحُسْبانٍ} ثم قال {إِنّ عِدّة الشُّهُورِ عِنْد اللّهِ اثْنا عشر شهْرًا فِي كِتابِ اللّهِ يوْم خلق السّماواتِ والْأرْض} وقال {والشّمْسُ تجْرِي لِمُسْتقرٍّ لها ذلِك تقْدِيرُ الْعزِيزِ الْعلِيمِ}
وقال {فلا أُقْسِمُ بِالْخُنّسِ الْجوارِ الْكُنّسِ} ثم قال لنا من تمام التوقيف وإحكام التنبيه ولئلّا يظنّ ظانّ انها تجرى على وجه بسيط مسطّح
او في جسم غير كرىّ فقال {وكُلٌّ فِي فلكٍ يسْبحُون} اذ اسم الفلك يدلّ على الاستدارة في لغة العرب ثم زادنا في تعريف صورة الفلك بصيرة فقال {أفلمْ ينْظُرُوا إِلى السّماءِ فوْقهُمْ كيْف بنيْناها وزيّنّاها وما لها مِنْ فُرُوجٍ} اى لا فرجة فيها ولا انفصال اى هى متصّلة اجراء الاستدارة لا انقطاع فيها وذلك انه انّما هو من الاجسام الكرىّ ومن السّطوح الدوائر، فما يدلّ ان المنجّمين قد سلكوا السبيل التى ارادها الله منهم انهم يثبتون بالبراهين ان الدائرة اعظم السطوح وان الجسم الكرىّ اعظم الاجسام وذلك ان كلّ ذى اضلاع وزوايا من الاشكال ساوى قطره قطر دائرة ومحور كرة فان سطح الدائرة اعظم السطوح التى بهذا الوصف وجسم الكرة اكبر من كلّ الاجسام التى بهذا الوصف وكلّ ذى زوايا دار على مركزه فانه يحتاج الى فضاء يحيط به اعظم منه شكله شكل كرة والّا لم يدر والكرة تدور على مركزها ولا تحتاج الى غير ذاتها وكلّ ذى حركة فبضرورة التناهى يثبت تناهى حركته الّا حركة المدوّر فانها بضرورة تناهى المتحرّك يجب اتّصالها لان الحركة البسيطة امّا مستقيمة وامّا مستديرة فالمستقيمة من اجل التناهى لا بدّ لها من وال والمستديرة ذو التناهى يتحرّك ولا تلحقها ضرورة السكون لان الجسم الذى لا نهاية له لا حركة له وانّما تجوز الحركة على ذى التناهى والذى يتحرّك مستقيما يقطع مسافات تتناهى من كلّ مفروض منها الى غيرها حتّى ينتهى الى نهاية ما له ان يقطعها ثم يسكن ضرورة والمتحرّك على مركزه ليس يقطع مسافات فيضطرّ تناهيها الى تناهى حركته، فالعجب لمن انصرف عن الله جلّ وعزّ ورغب عن هدايته وارشاده ولم يعمل فكره ولا لبّه ولا عمله ولا نظره