بسم الله الرحمن الرحيم
يصف مصطلح المكان الصفات الطبيعية للأرض من حيث الانحدار، الارتفاع، والانخفاض، في حين بصف مصطلح الموقع توضعها بالنسبة للدول، أو الظاهر الأخرى فيمكن تحديد موقع الدولة المطلق بالنسبة لخطوط الطول ودوائر العرض، وبالنسبة لمواقع الدول الأخرى والمظاهر الجغرافية، كالبحار، الأنهار، والجبال مثلا.
وللموقع الجغرافي علاقة كبيرة بالسياسة الدفاعية أو السياسة الهجومية التي تتبعها الدول. فتسعى الدول القارية كجمهورية روسيا مثلا إلى تعزيز قوتها البرية، في حين تسعى دول بحرة كبريطانيا مثلا إلى تعزيز قوتها البحرية. والوقع الجغرافي النسبي أما أن يكون متوسطا يسهل عملية الاتصال بين الدول، وإما أن يكون هامشيا بعيدا، يعرقل عمليات الاتصال.
والموقع الجغرافي ذو أهمية كبيرة في أوقات الحرب والسلم على حج سواء، وتعتمد كثير من أنشطة، وسلوك الدول اعتمادا كبيرا على موقعها الجغرافي، ولذلك لا بد من التركيز على دراسة الموقع الجغرافي لتفسير سلوك الدول. فتزدهر الدول التي تحتل موقعا جغرافيا متوسطا، اقتصاديا في أوقات السلم، من خلال سيطرتها على طرق التجارة الدولية، في حين تستغل تلك الدول موقعها الجغرافي في أوقات الحرب لغايات السيطرة والتفوق العسكري، وتكتسب الممرات المائية، والمضائق، أشباه الجزر، مصبات الأنهار، الأودية، والجزر التي تقع على طرق المعابر المائية، أهمية استراتيجية كبيرة. ومثال ذلك مضيق دوفر الإنجليزي الذي وقف حائلا بين الجيوش الألمانية والقوات الإنجليزية في الحرب العالمية الثانية. كما لعب مضيق مسينا، الذي يفصل جزيرة صقليا عن البر الإيطالي، دورا استراتيجيا مهما في نفس الحرب، حيث عبرته جيوش دول التحالف في طريقها لألمانيا. ومن الممرات المائية التي تتمتع بأهمية استراتيجية عالمية، مضيق ملاقا الذي يفصل يبن جزيرتي سومطره التابعة لإندونيسيا، ودولة ماليزيا الحديثة، وكذلك مضيقي البسفور والدردنيل التركية التي تصل البحر الأسود بالبحر المتوسط.
وتتمتع بعض الجزر العالمية بمواقع جغرافية ذات أهمية عسكرية كبرى، سعت الدول المتحاربة إلى السيطرة عليها، لتحقيق تفوق استراتيجي وتكتيكي في الحرب.
فقد كان هجوم اليابان على جزيرة أوهو في جزر هوائي أثر كبيرا في قرار الولايات المتحدة استخدام القوة النووية ضد اليابان. وقد احتل الألمان جزيرة كريت اليونانية في الحرب العالمية الثانية لأهميتها الاستراتيجية. وقد كان لاحتلال اليابانيين لمصب نهر ايروادي، الذي تقع عليه مدينة رانجون عاصمة بورما، أثر كبيرا في نجاحهم بالسيطرة على المستعمرة الإنجليزية. وقد سعى الجيش النازي للسيطرة على مدينة ستالينجراد التي تقع على نهر الفولغا، من أجل استخدام النهر للتوغل في أعماق روسيا والوصول إلى بحر قزوين.
كما أن الموقع النسبي للدول يؤثر على حجم قوتها، فالدول التي تقع جغرافيا في ظل الدول العظمى كالمكسيك مثلا، والتي تقع في ظل الولايات المتحدة، تضطر للدوران في فلك تلك القوى العظمى، التي تحدج من طموحاتها في بناء قوة عسكرة ضخمة. وينطبق ذلك بطبيعة الحال على كندا الجار الشمالي للولايات المتحدة. والموقع المطلق للدول الأوروبية