عدم إقامة تحصينات دفاعية في السفوح المواجهة للعدو، ذلك أن أمر إخلائها سيكون في غاية الصعوبة، وأنه من الأفضل للجيش إقامة تحصيناته في السفح الصديق، لأنه يصعب على القوات المعادية محاصرتها، نظرا لوقوعها تحت سيطرة القوات الصديقة.
فقد انتظر نابليون الجيوش الإيطالية والإسبانية حتى قطعت جبال الألب وهاجمها وتغلب عليها. ويرى كلاوزفيتز أنه من الأفضل مواجهة الخصم في السفح الصديق لضعف قدراته، بعد أن قام بقطع السلاسل الجبلية. وتضعف قدرات الجيش المهاجم بسبب طول الوقت المستغرق في قطع السلاسل الجبلية، والجهد المبذول في بناء طرق المواصلات وشبكات الاتصالات، وخطوط الإمداد.
وهل يقوم المدافع بالهجوم المعاكس، أم يبقى في حالة الدفاع الثابت، حال قطع القوات المهاجمة للسلاسل الجبلية؟
عن هذا السؤال يجيب كلاوزفيتز بأنه من الأفضل قيام القوات المدافعة بهجوم معاكس، بدلا من التمركز في مواقع ثابتة، لأن مثل تلك المواقع الثابتة تمكن العدو المهاجم من الإفادة من طبيعة السطح الجغرافي، أكثر من المدافع الثابت. ولتحقيق أكبر إفادة ممكنة من الطبيعة الجغرافية للسطح فإنه يتوجب على القوات المقاتلة الحركة والمناورة. كما أن الثبات يؤدي إلى تقصير خطوط مواصلات العدو، ومنحه فرص اختيار المواقع الدفاعية الضعيفة.
وتستطيع وحدات قتالية صغيرة حماية محاور قتالية واسعة في المناطق الجبلية الوعرة، لما يمنحه السطح الجغرافي لها من تفوق ميداني. وعليه فإن الأسطح الجغرافية الوعرة تمنح الجيوش الصغيرة فرص دفاعية كبيرة لا يمكنها توفيره لصغر حجم قواتها.
ولذلك فإن الجبال تتيح للمدافع فرص الصمود رغم ضعف الإمكانات وقلة العدد.
والسيطرة عل المناطق المرتفعة يؤدي إلى زيادة مدى الرؤيا ووضوحها بالنسبة للقوات المدافعة. وتوفر المناطق الجبلية المرتفعة مشهدا عاما لميدان المعركة، يتيح للمدافع فرصة مراقبة حركة القوات المعادية، والسيطرة على محاور تقدمه، ولذلك تعمد الجيوش إلى بناء محطات المراقبة ومراكز السيطرة ومحطات الرادار على قمم الجبال، رؤوس المرتفعات الجبلية، وخطوط تقسيم المياه.
والمواقع الجبلية المرتفعة توفر للمدافع فرص اختيار محاور ومسالك حركة قواه التي أنيط بها مهمة الهجوم المعاكس. أما من الناحية الاستراتيجية فإن المناطق الجبلية المرتفعة توفر للمدافع مواقع دفاعية صعبة الاجتياز إذا تم تعزيزها بتحصينات ثابتة قوية.
وتسهل المناطق الجبلية عمليات التمويه والتخفي للقوات المدافعة، وتمنع كشف مواقعها من قبل القوات المهاجمة. وتتعاظم الفرص الممنوحة للتخفي إذا اكتست الجبال بالنباتات الطبيعية والأشجار، وازداد انحدار سفوحها وتموجاتها. وينصح القادة العسكريون بعدم القيام بأي تعرض عسكري في وضح النهار في المناطق الجبلية، ذلك أن إمكانية اكتشاف الوحدات العسكرية المقاتلة أمرا سهلا، خاصة وأنها تسير في قوافل متتابعة نظرا لطبيعة السطح الجغرافي الذي لا يتيح فرص المناورة والانتشار. وعلى الرغم من صعوبة الهجوم الليلي في المناطق الجبلية، بسبب صعوبة السيطرة على القوات وتنظيمها، وصعوبة الحركة في ظلمة الليل، إلا أن الليل هو أفضل الأوقات لشن الهجوم، خاصة وأنه يحقق عنصر المفاجأة الذي توفره الطبيعة الوعرة للمناطق الجبلية.