فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِبَادَةُ وَنَحْوُهَا، وَزَعَمَ أَنَّ السَّبْتَ لَا يُعَادُ فِيهِ مِمَّا أَدْخَلَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ مَلِكًا فَأَمَرَهُ بِالْمَجِيءِ إِلَيْهِ يَوْمَ سَبْتِهِ فَخَشِيَ مِنْ قَطْعِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ دُخُولَ الطَّبِيبِ عَلَى الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ لَا يَصْلُحُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: تُسْتَحَبُّ فِي الشِّتَاءِ لَيْلًا، وَفِي الصَّيْفِ نَهَارًا غَرِيبٌ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِيَادَةِ حُصُولُ التَّسَلِّي وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَصْحَابِ وَالْأَحْبَابِ حَالَةَ التَّخَلِّي، فَإِنَّ لِقَاءَ الْخَلِيلِ شِفَاءُ الْعَلِيلِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْجَنَابِ الْعَلِيِّ، وَالتَّضَرُّعِ بِالدُّعَاءِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَلَمَّا كَانَ لَيْلُ الشِّتَاءِ وَنَهَارُ الصَّيْفِ طَوِيلًا نَاسَبَ أَنْ يَشْغَلُوهُ عَمَّا فِيهِ مِنَ الْأَلَمِ، وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ حِمْلَ السَّقَمِ بِالْحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالتَّأَنُّسِ بِالْكَلَامِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّنْفِيسِ لَدَيْهِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَنِ ابْتُلِيَ بِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ. (وَإِذَا مَاتَ تَبِعْتَهُ) أَيْ: جِنَازَتَهُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلِلدَّفْنِ أكْمَلُ. قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ هَذَا زَائِدٌ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَمْسَ مُقَدَّمٌ فِي الصُّدُورِ، وَمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ: عَلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ كَانَتْ سِتَّةً كَانَ صَادِقًا، لَوْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى لِفُلَانٍ: عَلَى سِتَّةِ دَرَاهِمَ كَانَ أَيْضًا صَادِقًا، وَالْأَمْرُ لِلتَّسْلِيمِ، وَالْعِيَادَةُ لِلنَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَلَامُ فَانْصَحُ لَهُ زَائِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يُسْتَحَبَّ التَّشْمِيتُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، كَذَا قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ. [1]
وعن مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ:"نَهَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ سَبْعٍ: نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ"أَوْ قَالَ:"حَلْقَةِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الحَرِيرِ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالمِيثَرَةِ الحَمْرَاءِ، وَالقَسِّيِّ، وَآنِيَةِ الفِضَّةِ. وَأَمَرَنَا بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلاَمِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ" [2] .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [3] ..
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 1120)
(2) - صحيح البخاري (7/ 155) (5863)
وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ) أَيِ: الْحَالِفِ يَعْنِي: جَعْلَهُ بَارًّا، صَادِقًا فِي قَسَمِهِ، أَوْ جَعْلَ يَمِينِهِ صَادِقَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى تَصْدِيقِ يَمِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَوْ أَقْسَمَ أَنْ لَا يُفَارِقَكَ حَتَّى تَفْعَلَ كَذَا، وَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ، فَافْعَلْ كَيْلَا يَحْنَثَ. وَقِيلَ: هُوَ إِبْرَارُهُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ، لَتَفْعَلَنَّ، كَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: هُوَ تَصْدِيقُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ مَا سَأَلَهُ الْمُلْتَمِسُ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ يُقَالُ: بَرَّ وَأَبَرَّ الْقَسَمَ إِذَا صَدَّقَهُ. (وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ) :قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ وَاجِبٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ وَبِكَفِّهِ عَنِ الظُّلْمِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 1121)
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 472) (236) صحيح