مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنْهُ مَخَافَةً مِنِ انْجِرَارِهِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ وَهَذَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لديه رقيب عتيد .. وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ لِئَلَّا يَنْجَرَّ صَاحِبُهَا إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْمَكْرُوهَاتِ وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَلْيُفَكِّرْ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ تَكَلَّمَ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضرر أوشك فِيهِ أَمْسَكَ] [1] .
قلت: ولا تترخص ولا تتأول لتستحل ما يَحْرُم عليك إتيانه من هذه الآفات، ولا تمكر فيمكر الله بك، قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43] .
قال القاري:"وَيَعْنِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ خَيْرًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرُهُ سَوَاءً ظَهَرَ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ، فَلْيُمْسِكْ عَنْهُ فَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ مَخَافَةَ انْجِرَارِهِ إِلَى الْحَرَامِ." [2]
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [3] .
ومالا يعني المرء قد يكون شيئا في خاصة نفسه كالمنهي عنه (الحرام والمكروه والشّبهة) وقد يكون في علاقته بالناس، وهذا الأخير الذي نقصده في كلامنا عن كف الأذى عن الناس.
ويدخل في هذا احترام خصوصيات الناس، وعدم التجسس عليهم، وعدم تتبع عوراتهم، وترك الخوض فيما لا ينفك في الدنيا ولا في الآخرة، وأَوْلَى من ذلك ترك الخوض فيما يضرك فيهما. ولهذه القاعدة تطبيقات كثيرة يستطيع المرء أن يتتبعها بنفسه، وخير وسيلة لإدراك هذه القاعدة هي أن تسأل نفسك في كل قول أو فعل: ما فائدة هذا؟ فإن لم تكن له فائدة أو كان فيه ضرر فهو ممالا يعنيك.
(1) - شرح النووي على مسلم (2/ 19)
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2732)
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 466) (229) صحيح
أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ إِسْلَامِ الشَّخْصِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ (تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) ،أَيْ: مَا لَا يُهِمُّهُ وَلَا يَلِيقُ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنَظَرًا وَفِكْرًا، فَحُسْنُ الْإِسْلَامِ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِهِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَقِيمَ نَفْسُهُ فِي الْإِذْعَانِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَحْكَامِهِ عَلَى وَفْقِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فِيهِ، وَهُوَ عَلَامَةُ شَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الرَّبِّ، وَنُزُولِ السِّكِّينَةِ عَلَى الْقَلْبِ، وَحَقِيقَةُ مَا لَا يَعْنِيهِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَرُورَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ بِأَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ بِدُونِهِ مُمْكِنًا، وَهُوَ فِي اسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِغَيْرِهِ مُتَمَكِّنًا، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ الزَّائِدَةَ وَالْأَقْوَالَ الْفَاضِلَةَ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا صَلَاحُهُ فِي نَفْسِهِ فِي أَمْرِ زَادِهِ بِإِصْلَاحِ طَرَفَيْ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَبِالسَّعْيِ فِي الْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيْلِ السَّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْفَوْزِ بِالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3040)