فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 501

فَصِيحَتَانِ، وَالْأُولَى أَشْهَرُ وَعَلَيْهَا الْأَكْثَرُ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالزَّايِ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ وَهُنَا الْفِعْلُ مُتَعَدٍّ وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِلتَّنَاجِي وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لِلْآخَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلنَّهْيِ أَيْ: لَا تَنَاجَوْا لِئَلَّا يَحْزَنَ صَاحِبُكَ، وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْكُمْ تَنَاجٍ هُوَ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ هُنَاكَ تَنَاجِيًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ لِرِوَايَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ.

قَالَ الْخَطَابِيُّ: وَإِنَّمَا يُحْزِنُهُ ذَلِكَ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِتَبْيِيتِ رَأَيٍ فِيهِ أَوْ دَسِيسِ غَائِلَةٍ لَهُ، أَوِ الْأَحْزَانُ لِأَجْلِ الِاخْتِصَاصِ بِالْكَرَامَةِ وَهُوَ يُحْزِنُ صَاحِبَهُ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ الْقَوْلَ الْآخَرَ قَوْلُهُ حَتَّى يَخْتَلِطُوا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا فِي السَّفَرِ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهِ صَاحِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَبَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ قُيِّدَ بِالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنْ تَنَاجَى اثْنَانِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ الثَّالِثُ أَنَّهُمَا يَذْكُرَانِ مِنْهُ قَبِيحًا. قُلْتُ: وَلَوْ ظَنَّهُ أَيْضًا لَا يُبَالِي؛ حَيْثُ إِنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالنَّاسِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ صَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَهُ يَوْمًا فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، ثُمَّ سَارَّهَا» ،فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَارَّةَ فِي الْجَمْعِ حَيْثُ لَا رِيبَةَ جَائِزَةٌ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِثٍ، وَكَذَا ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاةُ دُونَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا. [1]

ومثله أن تُحَدِّثَ قوما فتُقْبل على واحد فقط وتُعْرِض عن الآخرين، وروى البخاري في الأدب المفرد عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: كَانُوا يُحِبُّونَ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُقْبِلَ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ لِيَعُمَّهُمْ" [2] ."

ومن الإضرار أن تحملك كراهيتك لرجل على إيذائه بالقول أو بالفعل، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، وَلَا بُغْضُكَ تَلَفًا، فَقُلْتُ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا أَحْبَبْتَ كَلِفْتَ كَلَفَ الصَّبِيِّ، وَإِذَا أَبْغَضْتَ أَحْبَبْتَ لِصَاحِبِكَ التَّلَفَ" [3] ."

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3110)

(2) - الأدب المفرد مخرجا (ص:442) (1304) حسن مقطوع

(3) - الأدب المفرد مخرجا (ص:448) (1322) صحيح - (الكَلَف) :هو الولوع بالشيء مع شغل قلب.

وَقَالَ الْحَسَن: أَحِبُّوا هَوْنًا، وَأَبْغِضُوا هَوْنًا، فَقَدْ أَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي حُبِّ أَقْوَامٍ، فَهَلَكُوا، وَأَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي بُغْضِ أَقْوَامٍ فَهَلَكُوا. شرح السنة للبغوي (13/ 65)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت