عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [1]
(اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ، وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّقْوَى أَدْنَاهَا التَّبَرُؤُ عَنِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَأَعْلَاهَا الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ الْمُبَاحِ مِمَّا لَا يَعْنِي، لِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْحَالِ:
مَنْ عَرَفَ اللَّهُ فَلَمْ تُغْنِهِ ... مَعْرِفَةُ اللَّهِ فَذَاكَ الشَّقِي
مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى ... فَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي
(حَيْثُمَا كُنْتَ) أَيْ: فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ، فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ، وَعَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ: أَلَمْ أُزَكِّ أَلَمْ أُصَلِّ أَلَمْ أَصُمْ أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا؟ أُجِيبَ: بَلَى يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا خَلَوْتَ بَارَزْتَهُ بِالْمَعَاصِي وَلَمْ تُرَاقِبْهُ. (وَأَتْبِعِ) :أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ) أَيِ: التَّوْبَةَ وَالطَّاعَةَ مُطْلَقًا، أَوْ بِأَنْ تُبَاشِرَ حَسَنَاتٍ تُضَادُّ آثَارُهَا تِلْكَ السَّيِّئَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَسَمَاعُ الْمَلَاهِي يُكَفَّرُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَبِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُكَفَّرُ بِالصِّدْقِ بِكُلِّ شَرَابٍ حَلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ، وَالْمُتَضَادَّاتُ هِيَ الْمُنَاسَبَاتُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَنْ تُضَادَّهَا، فَالْبَيَاضُ يُزَالُ بِالسَّوَادِ لَا بِغَيْرِهِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَثَرَ السُّرُورِ بِهَا فِي الْقَلْبِ، فَلَا جَرَمَ كَفَّارَتُهُ كُلُّ أَذًى يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ اهـ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ لَيْسَا مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَتْبِعِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مُقَابَلَةَ حُبِّ الدُّنْيَا بِضِدِّهَا، وَهُوَ بُغْضُهَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ -
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 355) (1987) صحيح لغيره