عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك.
وفي قوله: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها، ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه.
ولهذا قال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ} أي: لمن تاب توبة نصوحا {رَحِيمٌ} وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي.
وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.
وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم، لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا وآخرا، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب. [1]
ورجاء المؤمن في رحمة الله لا يخيبه الله أبدا .. ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق، فجاهدوا وصبروا، حتى حقق الله لهم وعده بالنصر أو الشهادة. وكلاهما خير. وكلاهما رحمة. وفازوا بمغفرة الله ورحمته: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .. وهو هو طريق المؤمنين .. [2]
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (15) سورة الحجرات
يُعَرِّفُ اللهُ تَعَالى للنَّاسِ الإِيمَانَ في هَذِهِ الآيةِ فَيُقَرِّرُ: إنَّ المُؤْمِنينَ إيمانًا حَقًّا هُمُ الذين صَدَّقوا اللهَ وَرَسُولهَ وَلَم يَشُكُّوا، وَلَم يَتَزَلْزَلُوا، وَلم يَتَرَدَّدوا، وَبَذَلَوا أنْفُسَهُم وَأمْوالَهُمْ لِلْجِهَادِ في سَبيلِ اللهِ، وَرِفْعةِ شَأْنِ الإِسْلامِ، وَهَؤلاء هُمُ المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ في إِيمَانِهمْ. [3]
"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا، يَقُولُ: ثُمَّ لَمْ يَشُكُّوا فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَلَا فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ طَاعَةَ اللَّهِ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، وَالْعَمَلَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ بِغَيْرِ"
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:98)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:468)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4506،بترقيم الشاملة آليا)