فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 501

وَفِي رِوَايَةٍ: «وَغَمْصُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: «فَلَا يَرَاهُمْ شَيْئًا» وَغَمْصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات:11] [الْحُجُرَاتِ:11] ،فَالْمُتَكَبِّرُ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ، وَإِلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ النَّقْصِ، فَيَحْتَقِرُهُمْ وَيَزْدَرِيهِمْ، وَلَا يَرَاهُمْ أَهْلًا لِأَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِهِمْ، وَلَا أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْحَقَّ إِذَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ. [1]

وقد يدفع الكبر بصاحبه إلى إيذاء الآخرين وظلمهم والإضرار بهم، وعلاجه يكون بتذكر المبدأ والمعاد وأن ما بكم من نعمة فمن الله، أعطاك وحرم غيرك، والنعم تُحْفَظ بالشكر لا بالكبر فالمتكبر يرى نفسَه ولا يرى ربَّه المُنْعِم سبحانه. فعَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» [2] .

والكبر مفسد للجماعة وللعمل الجماعي، وقلما يصلح صاحبه للعمل الجماعي، إذ يعتمد العمل الجماعي أساسا على الألفة والتواضع والتعاون، والمتكبر بمنأى عن هذه الأخلاق.

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [3]

قال الزرقاني:"قَالَ: لَا ضَرَرَ») خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا يَضُرُّ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ (وَلَا ضِرَارَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ"فِعَالَ"،أَيْ لَا يُجَازِي مَنْ ضَرَّهُ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بَلْ يَعْفُو، فَالضَّرَرُ فِعْلُ"

(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 275)

(2) - صحيح مسلم (1/ 93) 149 - (91)

وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِبْرَ مَانِعٌ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَإِنْ بَلَغَ فِي الْقِلَّةِ إلَى الْغَايَةِ، وَلِهَذَا وَرَدَ التَّحْدِيدُ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ فَذَكَرَ الْخَطَّابِيِّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّكَبُّرُ عَنْ الْإِيمَانِ فَصَاحِبُهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا إذَا مَاتَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ حَالَ دُخُولِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف:43] قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْدٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ عَنِ النَّاسِ وَاحْتِقَارِهِمْ وَدَفْعِ الْحَقِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنِ الْمَطْلُوبِ، بَلْ الظَّاهِرُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا بِدُونِ مُجَازَاةٍ إنْ جَازَاهُ، وَقِيلَ: هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّلَ وَهْلَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا يُشَابِهُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ مُصَرَّحًا فِيهَا بِعَدَمِ دُخُولِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُصَاةِ الْجَنَّةَ أَوْ عَدَمِ خُرُوجِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ مِنَ النَّارِ خَاصَّةً.

وَأَحَادِيثُ دُخُولِ جَمِيعِ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةَ وَخُرُوجِ عُصَاتِهِمْ مِنْ النَّارِ عَامَّةً، فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. وَالْحَدِيثُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ لُبْسِ الثَّوْبِ الْحَسَنِ وَالنَّعْلِ الْحَسَنِ وَتَخَيُّرِ اللِّبَاسِ الْجَمِيلِ لَيْسَ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُ. نيل الأوطار (2/ 129)

(3) - المعجم الأوسط (1/ 307) (1033) والمعجم الأوسط (4/ 125) (3777) والمعجم الكبير للطبراني (2/ 86) (1387) والمعجم الكبير للطبراني (11/ 228) (11576) والمعجم الكبير للطبراني (11/ 302) (11806) وسنن ابن ماجه (2/ 784) (2340) وسنن الدارقطني (4/ 51) (3079) وموطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 745) (31) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت