فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 501

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [1]

وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ: الْحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" [2]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم:أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» [3]

(1) - صحيح مسلم (1/ 74) 93 - (54)

(ولا تؤمنوا) بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة وأما معنى الحديث فقوله - صلى الله عليه وسلم - ولا تؤمنوا حتى تحابوا معناه لا يكمل ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب (أفشوا السلام بينكم) فيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف]

وَالْمَعْنَى: لَا تُؤْمِنُونَ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى تَحَابُّوا) :بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، أَيْ: حَتَّى يُحِبَّ كُلٌّ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ ( «أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ) :قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ سَبَبًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَالشَّحْنَاءِ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ سَبَبٌ لِانْثِلَامِ الدِّينِ وَالْوَهَنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَجَعْلِ كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْعُلْيَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103] الْآيَةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2937)

(2) - مسند أحمد ط الرسالة (3/ 29) (1412) حسن لغيره

(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:دَبَّ) :بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: نَقَلَ وَسَرَى وَمَشِيَ بِخِفْيَةٍ (إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ) أَيْ: فِي الْبَاطِنِ (وَالْبَغْضَاءُ) أَيِ: الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَرَفَعَهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِلدَّاءِ أَوْ بَدَلٌ، وَسُمِّيَا دَاءً لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ (هِيَ) أَيِ: الْبَغْضَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ مَبْنًى وَمَعْنًى، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (الْحَالِقَةُ) أَيِ: الْقَاطِعَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَالصِّلَةِ وَالدَّمْعِيَّةِ وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَلِذَا قُدِّمَتْ (لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ: تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ (وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) .وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ وَضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَغْضَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة:34] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة:45] أَيْ: فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَغْضَاءَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي ثُلْمَةِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ نَتِيجَةَ الْحَسَدِ أَيْ: فِي بَعْضِ أَفْرَادِهَا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3154)

(3) - صحيح البخاري (1/ 12) (12) وصحيح مسلم (1/ 65) 63 - (39)

(أي الإسلام خير) أي أعمال الإسلام أكثر نفعا. (تقرأ السلام) تسلم]

(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الْإِسْلَامِ) أَيْ: أَيُّ آدَابِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَيُّ خِصَالِ أَهْلِهِ (خَيْرٌ؟) أَيْ: أَفْضَلُ ثَوَابًا أَوْ أَكْثَرُ نَفْعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: السُّؤَالُ وَقَعَ عَمَّا يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الْخِصَالِ دُونَ غَيْرِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَجَابَ عَنْهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْخِصَالِ حَيْثُ (قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ) :إِلَخْ وَتَقْدِيرُهُ أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، فَلَمَّا حُذِفَ أَنْ رَجَعَ الْفِعْلُ مَرْفُوعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم:24] ،وَقَوْلِ الْقَائِلِ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، وَيُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ) :وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَتُقْرِي مِنَ الْإِقْرَاءِ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: أَقْرَأُ فُلَانًا السَّلَامَ وَأُقْرِئُ عَلَيْهِ السَّلَامَ، كَأَنَّهُ حِينَ يَبْلُغُهُ سَلَامُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَقْرَأَ السَّلَامَ وَيَرُدَّهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: قَرَأَ عَلَيْهِ السَّلَامَ أَبْلَغَهُ كَأَقْرَاهُ، أَوْ لَا يُقَالُ: أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) :ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَقْرَأُ، أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ بِأَنْ يَضْمَنَ تُطْعِمُ مَعْنَى الْبَذْلِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ شَامِلٌ لِلْمُخَاطَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيُّ خِصَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَآدَابِهِمْ أَفْضَلُ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِطْعَامِ وَالسَّلَامِ عَلَى مَنْ عَرَفَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ. قَالَ: وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُمَا لِعِلْمِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهُمَا يُنَاسِبَانِ حَالَ السَّائِلِ، وَلِذَلِكَ أَسْنَدَهُمَا إِلَيْهِ فَقَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ، أَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا يُعَامِلُ الْمُسْلِمِينَ فِي إِسْلَامِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤَالِهِ بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الْعَمَلِ، وَالْخَبَرُ قَدْ يَقَعُ مَوْقِعَ الْأَمْرِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2936)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت