ومن الإضرار بهم: التفريط في إجراءات السلامة الحربية من لبس الدروع والخوذات وحفر الخنادق وارتداء الأقنعة والتشديد في الحراسة وغيرها.
ومن الإضرار بالناس إلقاء القاذورات في طرقهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ» ،قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ» [1]
والتخلي هو قضاء الحاجة، وروى مسلم عَنْ جَابِرٍ: «عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» [2] .
ومن الإضرار بالناس إقامة المريض مع الصحيح، فقد يُمرضه بالعدوى، فعن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ» [3]
ولا منافاة بينه وبين الحديث الصحيح «لا عدوى» للجمع المشهور بينهما.
ومن إيذاء الإخوة، إفساد الدروس عليهم، أو رفع الصوت بجوار النائمين، قال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19] .
ومن الإيذاء أن يتناجى اثنان دون الثالث، فعَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ» [4]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً) أَيْ: فِي الْمُصَاحَبَةِ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا (فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ) أَيْ: لَا يَتَكَلَّمَا بِالسِّرِّ (دُونَ الْآخَرِ) أَيْ: مُجَازَيْنِ عَنْهُ غَيْرَ مُشَارِكَيْنِ لَهُ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِشَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ (حَتَّى تَخْتَلِطُوا) أَيْ: جَمِيعُكُمْ (بِالنَّاسِ) وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحَلُّهُ أَنْ يَكُونُوا فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ الْوَاحِدُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ (مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ) :بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ
(1) - سنن أبي داود (1/ 7) (25) صحيح
(2) - صحيح مسلم (1/ 235) 94 - (281)
أَيِ: الْوَاقِفِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَاءَ السَّاكِنَ إِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ، وَلَا يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَلَعَلَّهُ يَتَغَيَّرُ بِهِ فَيَصِيرُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ، وَكَذَا إِنْ كَثُرَ غَايَةَ الْكَثْرَةِ إِذْ لَوْ جُوِّزَ الْبَوْلُ فِيهِ لَبَالَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَيَتَغَيَّرُ مِنْ كَثْرَةِ الْبَوْلِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا النَّهْيُ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَفِي بَعْضِهَا لِلْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا رَاكِدًا فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ، وَلَوْ قِيلَ: يَحْرُمُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا إِذْ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَنَجُّسِهِ بِالْإِجْمَاعِ لِتَغَيُّرِهِ أَوْ تَنَجُّسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْغَدِيرَ الَّذِي يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَأَمَّا الرَّاكِدُ الْقَلِيلُ فَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: التَّغَوُّطُ فِي الْمَاءِ كَالْبَوْلِ فِيهِ بَلْ أَقْبَحُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَاءِ مُطْلَقًا بِاللَّيْلِ خَشْيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ الْجِنُّ لِمَا قِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ مَأْوَى لَهُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 447)
(3) - صحيح البخاري (7/ 139) (5773 - 5775)
(4) - صحيح مسلم (4/ 1718) 37 - (2184)