فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 501

رحم الله فلأنه جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ» [1] ،فدل الحديث على أن الحرص على الإمارة هو صفة الغالبية.

والحرص على الإمارة يتخذ صورا متعددة تتفاوت في شدتها، منها:

أ = التنافس فيها وقد يؤدي إلى الاقتتال بين المسلمين

عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ،فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» [2]

(1) - صحيح البخاري (9/ 63) (7148)

(ندامة) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي عليه. (فنعم المرضعة) أول الإمارة لأن معها المال والجاه واللذات الحسية والوهمية. (بئست الفاطمة) آخرها لأن معه القتل والعزل والمطالبة بالتبعات يوم القيامة]

الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ مَحْذُوفٌ فِيهِمَا وَهُوَ الْإِمَارَةُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَفْظُ نِعْمَ وَبِئْسَ إِذَا كَانَ فَاعِلُهُمَا مُؤَنَّثًا جَازَ إِلْحَاقُ التَّأْنِيثِ وَجَازَ تَرْكُهَا فَلَمْ يُلْحِقْهَا هُنَا فِي نِعْمَ، وَأَلْحَقَهَا فِي بِئْسَتْ، يَعْنِي عَمَلًا بِاللُّغَتَيْنِ وَتَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَتَيْنِ وَلَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ إِلْحَاقَ الزَّائِدِ أَوْلَى بِالثَّانِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقْهَا بِنِعْمَ لِأَنَّ الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ؛ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً إِلَّا أَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ وَأَلْحَقَهَا بِبِئْسَ؛ نَظَرًا إِلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ: دَاهِيَةً دَهْيَاءَ، وَفِيهِ أَنَّ مَا يَنَالُهُ أَمِيرٌ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ أَبْلَغُ وَأَشَدُّ مِمَّا يَنَالُهُ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ؛ وَأَتَى بِالتَّاءِ فِي الْمُرْضِعِ وَالْفَاطِمِ؛ دَلَالَةً عَلَى تَصْوِيرِ تَيْنِكَ الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإِرْضَاعِ وَالْفِطَامِ؛ يَعْنِي الْمُرْضِعَ وَالْفَاطِمَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ لِلنِّسَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِتْيَانِ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ وَصْفَيِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ؛ وَلِذَا يُقَالُ طَالِقٌ وَحَائِضٌ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا لِتَذْكِيرِ التَّصْوِيرِ، قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْوِلَايَةَ بِالْمُرْضِعَةِ وَانْقِطَاعَهَا بِالْمَوْتِ، أَوِ الْعَزْلَ بِالْفَاطِمَةِ؛ أَيْ نِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ الْوِلَايَةً؛ فَإِنَّهَا تَدِرُّ عَلَيْكَ الْمَنَافِعَ وَاللَّذَّاتَ الْعَاجِلَةَ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ الْمُسِيئَةُ فَإِنَّهَا تَقْطَعُ عَنْكَ اللَّذَائِذَ وَالْمَنَافِعَ وَتُبْقِي عَلَيْكَ الْحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُلِمَّ بِلَذَّاتٍ يَتْبَعُهَا حَسَرَاتٌ اهـ. وَقِيلَ جَعَلَ الْإِمَارَةَ فِي حَلَاوَةِ أَوَائِلِهَا وَمَرَارَةِ أَوَاخِرِهَا، كَمُرْضِعَةٍ تُحْسِنُ بِالْإِرْضَاعِ وَتُسِيءُ بِالْفِطَامِ، قُلْتُ فِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِمَارَةِ وَمَرَارَةَ الْوِلَايَةِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ بِالرَّضَاعِ وَالْفِطَامِ، إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَطْفَالِ الطَّرِيقَةِ دُونَ الرِّجَالِ الْوَاصِلِينَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْحَقِيقَةِ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَظِلٌّ زَائِلٌ إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ الْوَاقِفُونَ عَلَى الْبَابِ وَلِلْعِلِّيِّينَ أَرْبَابُ الْأَلْبَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2400)

(2) - صحيح البخاري (1/ 15) (31) وصحيح مسلم (4/ 2213) 14 - (2888)

(هذا الرجل) هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (التقى المسلمان بسيفهما) أي بقصد العدوان. (في النار) أي يستحقان دخول النار. (فما بال المقتول) ما شأنه يدخل النار وقد قتل ظلما. (حريصا) عازما]

(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) بِالتَّاءِ هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ يُقَالُ: إِنَّهُ تَدَلَّى يَوْمَ الطَّائِفِ بِبَكْرَةٍ وَأَسْلَمَ فَكَنَّاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَبِي بَكْرَةَ وَأَعْتَقَهُ، فَهُوَ مِنْ مَوَالِيهِ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا) أَيْ سَلَّ (عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ) الْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الشَّرْطِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ، وَالْمَعْنَى إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَامِلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ السِّلَاحَ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ لِيُطَابِقَ الشَّرْطُ الْجَزَاءَ وَهُوَ قَوْلُهُ (فَهُمَا فِي جُرُفِ جَهَنَّمَ) وَالْجُرُفُ مَا تَجْرُفُهُ السُّيُولُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ اهـ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي جَانِبُهَا وَطَرَفُهَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران:103] (فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا) أَيْ جَهَنَّمَ (جَمِيعًا) هَذَا الشَّرْطُ مَعَ جَوَابِهِ عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ وَأَرَادَ كُلٌّ قَتْلَ الْآخَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ بِسَيْفِهِمَا فَقَتَلَ. أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قُلْتُ) وَفِي رِوَايَةٍ قِيلَ (هَذَا الْقَاتِلُ) أَيْ حُكْمُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ (فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ) أَيْ شَأْنُهُ فَإِنَّهُ مَظْلُومٌ (قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَإِنْ قَصَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَ قَتْلَ الْآخَرِ لَا الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا الدَّفْعَ وَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2312)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت