فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 501

وهذا أمر يعلمه الله تعالى من العبد فإن نَكَلَ عن الطاعة مدعيا عدم الاستطاعة كاذبا، فالله مُطَّلِع عليه، {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:94] .

والمقصد مما سبق أن عهود الأمراء على الطاعة ينبغي أن تقيد بهذين القيدين: المعصية من جهة الأمير والاستطاعة من جهة المأمور.

التحذير من الحرص على الإمارة والتنافس عليها

حب الإمارة والحرص عليها مرض لا ينجو منه إلا من رحم الله تعالى. أما كونه مرضا فلأنه يفسدُ دينَ صاحبه، فعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [1]

والحرص على الشرف هو حب الرياسة وهو أشد من حب المال لأن الناس يبذلون المال للتوصل إلى الرياسة، وكلاهما يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لحظيرة الغنم. أما كونه لا ينجو منه إلا من

(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (8/ 24) (3228) صحيح

(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَا") :نَافِيَةٌ ("ذِئْبَانِ") :بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبْدَلُ ("جَائِعَانِ") :أَتَى بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ ("أُرْسِلَا") أَيْ: خُلِّيَا وَتُرِكَا ("فِي غَنَمٍ") أَيْ: فِي قِطْعَةِ غَنَمٍ ("بِأَفْسَدَ") :الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: أَكْثَرُ إِفْسَادًا ("لَهَا") أَيْ: لِتِلْكَ الْغَنَمِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ أَوِ الْقِطْعَةِ ("مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ") :الْمُشَبَّهُ بِالذِّئْبَيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالشَّيْئَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُمَا قَوْلُهُ: ("عَلَى الْمَالِ") أَيِ: الْكَثِيرِ ("وَالشَّرَفِ") أَيِ: الْجَاهِ الْوَسِيعِ، وَقَوْلُهُ: ("لِدِينِهِ") مُتَعَلِّقٌ بِأَفْسَدَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَيْهِمَا أَكْثَرُ فَسَادًا لِدِينِهِ الْمُشَبَّهِ بِالْغَنَمِ لِضَعْفِهِ بِجَنْبِ حِرْصِهِ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"مَا"بِمَعْنَى لَيْسَ، وَذِئْبَانِ اسْمُهَا، وَجَائِعَانِ صِفَةٌ لَهُ، وَأُرْسِلَا فِي غَنَمِ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، وَقَوْلُهُ: بِأَفْسَدَ خَبَرٌ لِمَا وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَيْ: بِأَشَدَّ إِفْسَادًا، وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِلْغَنَمِ وَاعْتُبِرَ فِيهَا الْجِنْسِيَّةُ، فَلِذَا أُنِّثَ. وَقَوْلُهُ: مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ هُوَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ يَتَعَلَّقُ بِالْحِرْصِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَاهُ. وَقَوْلُهُ (لِدِينِهِ) اللَّامُ فِيهِ بَيَانٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233] كَأَنَّهُ قِيلَ: بِأَفْسَدَ لِأَيِّ شَيْءٍ؟ قِيلَ: لِدِينِهِ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جِنْسِ الْغَنَمِ بِأَشَدَّ إِفْسَادًا لِتِلْكَ الْغَنَمِ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِدِينِ الْمَرْءِ أَشَدُّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ إِذَا أُرْسِلَا فِيهَا، أَمَّا الْمَالُ فَإِفْسَادُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الشَّهَوَاتِ، وَيَجُرُّ إِلَى التَّنْعِيمِ فِي الْمُبَاحَاتِ، فَيَصِيرُ التَّنَعُّمُ مَأْلُوفًا، وَرُبَّمَا يَشْتَدُّ أُنْسُهُ بِالْمَالِ، وَيَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ الْحَلَالِ، فَيَقْتَحِمَ فِي الشُّبَهَاتِ مَعَ أَنَّهَا مُلْهِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَحَدٌ، وَأَمَّا الْجَاهُ فَكَفَى بِهِ إِفْسَادًا أَنَّ الْمَالَ يُبْذَلُ لِلْجَاهِ، وَلَا يُبْذَلُ الْجَاهُ لِلْمَالِ وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، فَيَخُوضُ فِي الْمُرَاءَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَهُوَ أَفْسَدُ وَأَفْسَدُ اه.

وَقَدْ قَالَتِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إِنَّ آخِرَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الصِّدِّيقِينَ مُحِبَّةُ الْجَاهِ، فَإِنَّ الْجَاهَ وَلَوْ كَانَ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالْمَشْيَخَةِ وَالْحَالَاتِ الْكَشْفِيَّةِ، فَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَى الْمَخْلُوقِ وَالْغَفْلَةُ وَالْغَيْرَةُ الرُّبُوبِيَّةُ أَوِ الرُّؤْيَةُ الِاثْنَيْنِيَّةُ بَعْدَ ظُهُورِ أَنْوَارِ الْأَحَدِيَّةِ يَحْجُبُ السَّالِكَ عَنِ الْخَلْوَةِ فِي الْجَلْوَةِ بِوَصْفِ الْبَقَاءِ بِاللَّهِ، وَالْفِنَاءِ عَمَّا سِوَاهُ، هَذَا وَقَدْ رَوَى صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَكُونُ الرَّجُلُ مُرَائِيًا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. قِيلَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: يُحِبُّ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3243)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت