فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 501

والطاعة فيما يستطيعه المرء مندرجة تحت الأصل العام الوارد في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] ،وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] [1] ،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ صَالِحٍ، فَقَالَ لِي: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ قَوْلَهُ: «فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [6:3] [2]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [3]

(1) - هو رحمة من رحمة الله بعباده، وهم في متلاطم هذه الفتن الّتى تطلع عليهم من أنفسهم، ومن أهليهم وأقرب الناس إليهم، إنها حرب مشبوبة الأوار دائما، لا يستطيع الإنسان أن يدفعها عن نفسه، أو أن يدفع هو نفسه عنها، إلا إذا اعتصم بمعتصم يعصمه منها .. إذ كيف له بالتخلص من ذاته، ومن نزعات نفسه، ودفعات أهوائه؟ ونفرض أنه استطاع ذلك بعد مشقة وعناء، فكيف له بأن ينخلع عن زوجه وولده؟ إن ذلك لا يكون إلا بالانخلاع عن الحياة الدنيا جملة!! والإسلام دين واقع، ودين رحمة وعدل وإحسان .. لا يرى للناس إلا أنهم بشر تتحكم فيه نوازع، وعواطف، وتعرض لهم عوارض الضعف ..

ويلحقهم ما يلحق الكائن الحىّ من جهد وضعف .. ولهذا قامت هذه الشريعة على اليسر، وعلى رفع الحرج، كما يقول سبحانه: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (78:الحج) .. فقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .. هو الميزان الذي يقيم عليه المؤمن أمر دينه كله .. وأن يتقى هذه الفتن الّتى تهب عليه من كل جهة- أن يتقيها بقدر ما يملك من قوة، وما يحتمل من جهد .. والله سبحانه وتعالى يقول: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها .. لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» .

فكل نفس لها طاقة من الاحتمال، ولها قدر من القوة، وإنه على قدر طاقتها وقوتها، تحاسب، فتجزى بما كسبت، وعلى ما اكتسبت ..

ومن أجل هذا كانت شريعة الإسلام- مع عمومها- تنظر إلى ما في الناس- كأفراد- وإلى ما فيهم من قوة وضعف، فتكلف القوىّ بما لا تكلف به الضعيف .... التفسير القرآني للقرآن (14/ 992)

(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 198) (18) صحيح

(3) - صحيح البخاري (9/ 94) (7288) وصحيح مسلم (2/ 975) 412 - (1337)

(دعوني) اتركوني ولا تسألوني. (بسؤالهم) كثرة أسئلتهم. (ما استطعتم) قدر استطاعتكم بعد الإتيان بالقدر الواجب الذي لا بد منه. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم هذا من قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم التي أعطيها - صلى الله عليه وسلم - ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام]

قالَ النَّووِيّ هَذا مِن جَوامِع الكَلِم وقَواعِد الإِسلام، ويَدخُل فِيهِ كَثِير مِنَ الأَحكام كالصَّلاةِ لِمَن عَجَزَ عَن رُكن مِنها أَو شَرط فَيَأتِي بِالمَقدُورِ. وكَذا الوُضُوء، وسَتر العَورَة، وحِفظ بَعض الفاتِحَة، وإِخراج بَعض زَكاة الفِطر لِمَن لَم يَقدِر عَلَى الكُلّ، والإِمساك فِي رَمَضان لِمَن أَفطَرَ بِالعُذرِ ثُمَّ قَدَرَ فِي أَثناء النَّهار إِلَى غَير ذَلِكَ مِنَ المَسائِل الَّتِي يَطُول شَرحها.

وقالَ غَيره فِيهِ أَنَّ مَن عَجَزَ عَن بَعض الأُمُور لا يَسقُط عَنهُ المَقدُور، وعَبَّرَ عَنهُ بَعض الفُقَهاء بِأَنَّ المَيسُور لا يَسقُط بِالمَعسُورِ، كَما لا يَسقُط ما قَدَرَ عَلَيهِ مِن أَركان الصَّلاة بِالعَجزِ عَن غَيره، وتَصِحّ تَوبَة الأَعمَى عَن النَّظَر المُحَرَّم، والمَجبُوب عَن الزِّنا، لأَنَّ الأَعمَى والمَجبُوب قادِرانِ عَلَى النَّدَم فَلا يَسقُط عَنهُما بِعَجزِهِما عَن العَزم عَلَى عَدَم العَود، إِذ لا يُتَصَوَّر مِنهُما العَود عادَة فَلا مَعنَى لِلعَزمِ عَلَى عَدَمه. ستُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَن أُمِرَ بِشَيءٍ فَعَجَزَ عَن بَعضه فَفَعَلَ المَقدُور أَنَّهُ يَسقُط عَنهُ ما عَجَزَ عَنهُ، وبِذَلِكَ استَدَلَّ المُزَنِيُّ عَلَى أَنَّ"ما وجَبَ أَداؤُهُ لا يَجِب قَضاؤُهُ"ومِن ثَمَّ كانَ الصَّحِيح أَنَّ القَضاء بِأَمرٍ جَدِيد. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 262)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت