الثاني: عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [1] .
قال ابن حجر:"قَوله ومَكرَهِنا"أَي فِي حالَة نَشاطنا وفِي الحالَة الَّتِي نَكُون فِيها عاجِزِينَ عَن العَمَل بِما نُؤمَر بِهِ. ونَقَلَ ابن التِّين عَن الدّاوُدِيِّ أَنَّ المُراد الأَشياء الَّتِي يَكرَهُونَها، قالَ ابن التِّين: والظّاهِر أَنَّهُ أَرادَ فِي وقت الكَسَل والمَشَقَّة فِي الخُرُوج لِيُطابِقَ قَوله مَنشَطنا.
قُلت: ويُؤَيِّدهُ ما وقَعَ فِي رِوايَة إِسماعِيل بن عُبَيد بن رِفاعَة عَن عُبادَةَ عِندَ أَحمَد"فِي النَّشاط والكَسَل."
قَوله:"وعُسرنا ويُسرنا"؛ فِي رِوايَة إِسماعِيلَ بن عُبَيد"وعَلَى النَّفَقَة فِي العُسر واليُسرِ"وزادَ"وعَلَى الأَمر بِالمَعرُوفِ والنَّهي عَن المُنكَرِ."
قَوله:"وأَثَرَة عَلَينا"؛ بِفَتحِ الهَمزَة والمُثَلَّثَة وقَد تَقَدَّمَ مَوضِعُ ضَبطها فِي أَوَّلِ الباب، والمُراد أَنَّ طَواعِيَتهم لِمَن يَتَولَّى عَلَيهِم لا تَتَوقَّف عَلَى إِيصالهم حُقُوقهم بَل عَلَيهِم الطّاعَة ولَو مَنَعَهُم حَقَّهُم.
قَولُه:"وأَن لا نُنازِع الأَمر أَهله"؛ أَي المُلك والإِمارَة، زادَ أَحمَد مِن طَرِيق عُمَير بن هانِئ عَن جُنادَةَ"وإِن رَأَيت أَنَّ لَك، أَي وإِن اعتَقَدت أَنَّ لَك، فِي الأَمر حَقًّا فَلا تَعمَل بِذَلِكَ الظَّنّ بَل اسمَع وأَطِع إِلَى أَن يَصِل إِلَيك بِغَيرِ خُرُوج عَن الطّاعَة."
زادَ فِي رِوايَة حِبّان أَبِي النَّضر عَن جُنادَةَ عِندَ ابن حِبّانَ وأَحمَد"وإِن أَكَلُوا مالَك وضَرَبُوا ظَهرَك"وزادَ فِي رِوايَة الولِيد بن عُبادَةَ عَن أَبِيهِ"وأَن نَقُوم بِالحَقِّ حَيثُما كُنّا لا نَخاف فِي الله لَومَة لائِم"
(1) - صحيح البخاري (9/ 47) (7055) وصحيح مسلم (3/ 1470) 42 - (1709)
[ش (أصلحك الله) كلمة اعتادوا أن يقولوها عند الطلب أو المراد الدعاء له بإصلاح جسمه ليعافى من مرضه. (أخذ علينا) اشترط علينا. (على السمع والطاعة) لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. (منشطنا) حالة نشاطنا. (مكرهنا) في الأشياء التي نكرهها وتشق علينا. (أثرة علينا) استئثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إياها بأنفسهم أي ولو منعنا حقوقنا. (الأمر) الملك والإمارة. (كفرا) منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فتكون المنازعة بالإنكار عليهم. أو كفرا ظاهرا فينازعون بالقتال والخروج عليهم وخلعهم. (بواحا) ظاهرا وباديا. (برهان) نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل]