فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 501

د = عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ» [1] .

وهذا يقيد ما ورد في الأمر بالطاعة وأنها في غير معصية الله، وأقول المعصية ما دلَّ عليها حكم شرعي صريح، أما إن كان فعل الأمير أو قوله يحتمل عدة أوجه فلا ينبغي الإنكار عليه إلا بعد التبيُّن.

وأقول أيضا يستثنى من المعاصي أمران: الأول أن يمنع الأمير رعيته بعض حقوقهم، والثاني أن يستأثر بحظ دنيوي دونهم فتجب الطاعة وإن وقع الأمير في هذا ويُنْصَح، وذلك للأحاديث:

الأول: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» [2] ،فالطاعة واجبة وإن منع الأمير حق الرعية.

(1) - صحيح البخاري (9/ 63) (7144)

أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ أُولِي الأَمْرِ مِنَ الأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ، وَقَدْ نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الإِجْمَاعَ، قَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الأَمْرِ فِي الآْيَةِ: الأُمَرَاءُ وَأَهْل السُّلْطَةِ وَالْحُكْمِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الأَمْرِ فِي الآْيَةِ هُمُ الْعُلَمَاءُ، قَال الطَّبَرِيُّ: وَأَوْلَى الأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَال: هُمُ الأُمَرَاءُ وَالْوُلاَةُ، لِصِحَّةِ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالأَمْرِ بِطَاعَةِ الأَئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةً"الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (28/ 323) "

(2) - صحيح مسلم (3/ 1474) 49 - (1846)

(فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) تعليل لقوله اسمعوا وأطيعوا أي هم يجب عليهم ما كلفوا به من إقامة العدل وإعطاء حق الرعية فإن لم يفعلوا فعليهم الوزر والوبال وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق فإن قمتم بما عليكم يكافئكم الله سبحانه وتعالى بحسن المثوبة]

(وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ صِفَةُ أُمَرَاءَ أَيْ يَطْلُبُونَا (حَقَّهُمْ) أَيْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ (وَيَمْنَعُونَا) بِالْوَجْهَيْنِ (حَقَّنَا) أَيْ مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ الْغَنِيمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَوْ ضَيَّعُونَا حَقَّنَا (فَمَا تَأْمُرُنَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا جَزَاءُ الشَّرْطِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِعْلَامِ (قَالَ: اسْمَعُوا) أَيْ ظَاهِرًا (وَأَطِيعُوا) بَاطِنًا أَوِ اسْمَعُوا قَوْلًا وَأَطِيعُوا فِعْلًا (فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ مَا كُلِّفُوا مِنَ الْعَدْلِ وَإِعْطَاءِ حَقِّ الرَّعِيَّةِ (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ أَيْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلِيَّةِ وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا كُلِّفَ بِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ حَدَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدَّمَ الْجَارَّ عَلَى الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِلْاخْتِصَاصِ أَيْ لَيْسَ عَلَى الْأُمَرَاءِ إِلَّا مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ وَكَلَّفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بِهَذَا لَمْ يُقِيمُوا بِذَلِكَ فَعَلَيْهِمُ الْوِزْرُ وَالْوَبَالُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ، فَإِذَا قُمْتُمْ بِمَا عَلَيْكُمْ فَاللَّهُ تَعَالَى يَتَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ وَيُثِيبُكُمْ بِهِ(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2398)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت