قَوله:"إِلاَّ أَن تَرَوا كُفرًا بَواحًا"،بِمُوحَّدَةٍ ومُهمَلَة"قالَ الخَطّابِيُّ: مَعنَى قَوله بَواحًا يُرِيد ظاهِرًا بادِيًا مِن قَولهم باحَ بِالشَّيءِ يَبُوح بِهِ بَوحًا وبَواحًا إِذا أَذاعَهُ وأَظهَرَهُ" [1] .
وورد أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ» [2] .
قَال النَّوَوِيُّ:"قَال الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ تَجِبُ طَاعَةُ وُلاَةِ الأُمُورِ فِيمَا يَشُقُّ وَتَكْرَهُهُ النُّفُوسُ وَغَيْرُهُ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ. وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَال وَسَبَبُهَا اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْخِلاَفَ سَبَبٌ لِفَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَامَ الإِمَامُ بِحُقُوقِ الأُمَّةِ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ: الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ". [3] .
قلت: ولعل الحكمة في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة للأمراء وإن منعوا الناس حقوقهم أو استأثروا بحقوق الدنيا دونهم، هو ارتكاب أخف الضررين، فإن تضرر الرعية بهذا المنع والأثرة أخف من ضرر الخروج على الأمراء وما يتبع ذلك من الاختلاف والتفرق.
هذا بالإضافة إلى أنه قد يُظَن أثرة ما ليس بأثرة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطاعة ههنا سدا للذرائع، وحتى لا يتعلل أحد بالظنون لشق عصا الطاعة. ومثال ذلك ما رواة البخاري عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي؟ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي» [4]
قال ابن حجر:[والسِّرّ فِي جَوابه عَن طَلَب الوِلايَة بِقَولِهِ:"سَتَرَونَ بَعدِي أَثَرَة"إِرادَة نَفي ظَنّه أَنَّهُ آثَرَ الَّذِي ولاَّهُ عَلَيهِ؛ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ لا يَقَع فِي زَمانه، وأَنَّهُ لَم يَخُصّهُ بِذَلِكَ لِذاتِهِ بَل لِعُمُومِ مَصلَحَة المُسلِمِينَ، وأَنَّ
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 7)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1467) 35 - (1836)
[ش (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك) قال العلماء معناه تجب طاعة ولا ة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة (ومنشطك ومكرهك) هما مصدران ميميان أو اسما زمان أو مكان (وأثرة) بفتح الهمزة والثاء ويقال بضم الهمزة وإسكان الثاء وبكسر الهمزة وإسكان الثاء ثلاث لغات حكاهن في المشارق وغيره وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم]
(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (28/ 324) وشرح النووي على مسلم (12/ 224)
(4) - صحيح البخاري (9/ 47) (7057)