إنه لا بدَّ من استقرار هذه الحقيقة في النفس: حقيقةُ أنَّ الحياة َفي هذه الأرض موقوتةٌ، محدودةٌ بأجل؛ ثم تأتي نهايتُها حتمًا .. يموتُ الصالحون يموتُ الطالحون. يموت المجاهدون ويموت القاعدون. يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذَلون للعبيد. يموت الشجعانُ الذين يأبون الضيم، ويموتُ الجبناء الحريصون على الحياة بأيِّ ثمن .. يموت ذووالاهتمامات الكبيرةِ والأهدافِ العالية، ويموتُ التافهون الذين يعيشون فقط للمتاعِ الرخيص. الكل يموت .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} .. كلُّ نفس تذوقُ هذه الجرعة، وتفارقُ هذه الحياة .. لا فارقَ بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة ِمن هذه الكأسِ الدائرة على الجميع. إنما الفارق في شيء آخر؛ الفارق في قيمة أخرى. الفارق في المصير الأخير: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ..
هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراقُ. وهذا هوالمصير الذي يفترق فيه فلانٌ عن فلان. القيمةُ الباقيةُ التي تستحقُّ السعي والكدَّ. والمصيرُ المخوِّف الذي يستحقُّ أن يحسب له ألفَ حساب: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} .. ولفظ {زحزح} بذاته يصور معناه بجرسه، ويرسم هيئته، ويلقي ظله! وكأنما للنار جاذبيةًّ تشدُّ إليها من يقترب منها، ويدخل في مجالها!
فهوفي حاجةٍ إلى من يزحزحهُ قليلًا قليلًا ليخلصه من جاذبيتها المنهومة!
فمن أمكن أن يزحزحَ عن مجالها، ويستَنقَذَ من جاذبيتها، ويدخل الجنة .. فقد فاز .. [1]
10 -تقويةُ الدافع الداخلي للعملِ الصالح، واستشعارُ قيمة الحياة، وأنها ابتلاء للآخرة ومزرعة لها.
11 -تسليةُ المؤمنِ عما يفوته في الدنيا، حتى يعلم َأن ثوابه الأعظم إنما هوفي الآخرة، وأنَّ كل ما يصيبُه من بلاء في الدنيا فيصبرُ عليه فإنه يضاعِف حسناته في الآخرة.
فعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (أخرجه البخاري) [2] .
وعن عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا" (أخرجه البخاري) [3] ."
(1) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 22)
(2) - [صحيح البخاري 7/ 114] (5640) [ (كفر الله بها عنه) محي بسببها من ذنوبه (يشاكها) يصاب بها جسده]
(3) - [صحيح البخاري 7/ 116] (5652) و [صحيح مسلم 4/ 1994] 54 - (2576)
[ (امرأة) قيل اسمها سعيرة الأسدية وقيل شقيرة (أصرع) يصيبني الصرع وهو علة في الجهاز العصبي تصحبها غيبوبة في العضلات وقد يكون هذا بسبب احتباس الريح في منافذ الدماغ وقد يكون بسبب إيذاء الكفرة من الجن (أتكشف) أي فأخشى أن تظهر عورتي وأنا لا أشعر (صبرت) على هذا الابتلاء (ولك الجنة) أي درجة عالية فيها بمقابل صبرك (على ستر الكعبة) متعلقة بأستار الكعبة وقيل كانت تفعل ذلك إذا خشيت أن يأتيها الصرع]