فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 113

ونعمم المسألة فنقول: إن كل اختلاف مما يطلق عليه الفقهاء اسم"اختلاف التنوع"؛ يجوز بلا حرج أن يختلف فيه أفراد الجماعة الواحدة، وإن كان على الجميع النزول على أمر الجماعة في مسائل الاختلاف المتعلقة بالعمل والحركة الإسلامية.

قال ابن أبي العز في الطحاوية: (واختلاف التنوع؛ على وجوه منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم حتى زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال؛"كلاكما محسن"، ومنه ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارات مختلفتان كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصوغ الأدلة والتعبير عن المسميات) .

ثم قال: (ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها ونحو ذلك) .

وقال: (أما اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان في الأصول أو الفروع) .

طالما الأمر كما قلنا داخل نطاق اختلاف التنوع، بوصف الجماعة منضبطة بالشرع، وهي تتحرى الأوفق في هذه الأمور للواقع والأقرب للصواب.

أما إذا كان الخلاف من باب اختلاف التضاد؛ فإنه لا يجوز اجتماع المختلفين فيه، بل يوضح الحق للمخطئ، فإن رجع ذلك إلى الحق فأهلا به ومرحبا، وإن أصر فلا مرحبا به، ومثال ذلك؛ من قال بإباحة الغناء والمعازف، ومن قال بنكاح المتعة، ومن قال بالتأويل في الأسماء والصفات.

ولا يقولن قائل؛ إن بعض علماء الأمة قد قال بهذه الأمور فكيف نأتي اليوم ونغلق باب الاجتهاد أو نغلق باب الاجتماع مع من قال بها، لا يقولن أحد هذه المقالة، لأن العلماء الذين قالوا بذلك اجتهدوا فأخطئوا، ولهم على ذلك أجر واحد، ثم اتضحت المسألة، وتبين وجه الصواب فيها وعرفها العالم وطالب العلم واشتهر علم بعضها عند العوام، ولا يسوغ لأحد بعد ذلك أن يتبع إماما أو عالما في قول تبين خطأه، ومن فعل ذلك اليوم؛ بينا له أنه مخطئ، وأن عليه أن يرجع ويتبع الحق فإن أصر فلا مرحبا به.

ثم نعود للشروط الثلاث التي يجب توافرها في أي اجتماع؛ كيما يكون محمودا شرعا؛ وحدة الغاية، وحدة العقيدة، وحدة الفهم لدين الله.

إننا لا نقبل في صفنا من كانت له غاية غير غايتنا؛"رضا الله تعالى"، لا نقبل من يبتغي إرضاء إله غير الله سبحانه، لا نقبل من يبتغي بسعيه دنيا فانية، أو يبتغي إرضاء بشر، أو تكون غايته إرضاء شهواته ومجاراة هواه.

ولقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام، على بني عامر بن صعصعة، فأرادوا أن يشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الملك من بعده إن أظهره الله على أعدائه فأبى وانصرف عنهم وانصرفوا عنه.

لقد أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضم لصفوف المسلمين أقواما لا يريدون وجه الله بل يريدون الدنيا ومتاعها.

و إن من حقنا بل من واجبنا أن نرفض ونلفظ كل من خالفنا في"غايتنا"نلفظ كل القوميين والوطنيين والعلمانيين، بل ونعاديهم.

و إننا نرفض كذلك أن يكون في صفنا كل من كانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، ذلك الذي يتخذ إلهه هواه ويكون إرضاء شهواته ونيل حظوظ نفسه وتحقيق ملذاته هو كل غايته، فلا نرضى بمن كان مجاهرا بالكبائر مصرا عليها.

أما من عدا هذا من أهل المعاصي؛ فينظر في حال كل واحد، وتقدر المصلحة والمفسدة المترتبة على ضمه للصف، ويعمل بما يترجح منها.

كما أننا لا نقبل أن يكون معنا من يخالفنا في"عقيدتنا"، لا نقبل طبعا كافرا يخالف دينه ديننا، كما أننا لا نقبل مبتدعا بأي حال من الأحوال.

إن رسولنا أمر بقتال المبتدعين الخوارج، بالرغم من أنهم أصحاب صوم وصلاة وقراءة للقرآن، وإن الصحابة قاتلوا الخوارج وقتلوهم وفرحوا بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت