القَطْرِ!، حَتّى إِنَّهُ لَتَتَعاقَبُ الأجْيالُ علَيْهِ ولا يَحِيدُونَ عَنْهُ!، وقَلَّ أنْ يَخْرُجَ فِيهِمْ مَنْ يُعِيدُ النّظَرَ فِي صَوابِهِ ونفْعِهِ!، ولَرُبَّما كانَ غَيْرُهُ أنْفَعَ مِنْهُ؛ أو كانَ صالِحًا لِزمانٍ دَونَ آخَر!.
وقَدْ قُلْتُ مَرَّةً لِبَعْضِ كِبارِ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ؛ ماذا تَصْنَعُونَ بِتَدْرِيسِ المَنْطِقِ وعِلْمِ الكَلامِ وعُلُومِ الآلَةِ للطَّلَبَةِ أَعْوامًا طِوَالًا؛ وتَتَرُكُونَ تَدْرِيسَ الحَدِيثِ إلَى السنَةِ الأَخِيرَةِ للبَرَكَةِ!؛ ولَو عَكَسْتُمُ الأَمْرَ لأَحْيَيْتُمْ مِن هَذا العِلْمِ ما انْدَرَسَ مِن مَعالِمِهِ التِي هِي مِن مَنارَاتِ التارِيخِ فِي هَذهِ البِلادِ!؛ فَقالَ لِي: صَدَقْتَ؛ ولكِنَّ العادَةَ جِدارٌ مَنِيعٌ!!.
ورَأَيْتُ العُلَماءَ فِي مَدارِس أَهْلِ الحَدِيثِ قَدْ تَوارَثُوا مَنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ تَدْرِيسَ مَقاماتِ الحَرِيرِيِّ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ المَشايِخِ: مَقاماتُ الحَرِيرِيِّ وإنْ حَصَلَ بِدِراسَتِها نَفْعٌ فِي الجُمْلَةِ للطالِبِ؛ إِلاّ أنَّنِي أرَى غَيْرَها أَولَى مِنْها وأَكْثَرَ نَفْعًا، ولَو أنّكُمْ عَدلْتُمْ عَنها إلَى كُتُبِ فَنِّ الإنْشاءِ وفِقْهِ اللغَةِ ورَاعَيتُمْ تَعْوِيدَ الطلاّبِ علَى ما يُناسِبُ لُغَةَ العَصْرِ مِن ذلكَ لَكانَتْ فائِدَتُهُ فِي الدّعْوَةِ إلَى اللهِ وتَبْلِيغِها إلَى الناسِ مِن أَعْظَمِ الفَوائِدِ، لأَنَّ التّمَكُّنَ مِن اللغُةِ مَعَ حَلاوَةِ العِبارَةِ وفَصاحَةِ الألفاظِ أَرَقُّ فِي السمْعِ وأنْفَذُ فِي القَلْبِ!، فَأطْرَقَ إِطْراقَةَ المُتَأَمِّلِ فِيما قُلْتُهُ؛ وَوَافَقَنِي علَيْه.
ثُمَّ فِي هَذا الذِي ذَكَرْناهُ تَعْوِيدُ الطلَبَةِ والأَتْباعِ عَمَلِيًّا علَى المِيزانِ الصَّحِيحِ الذِي يُوزَنُ بِهِ الصَّوابُ والخَطَاُ؛ وهُوَ العِلْمُ وَحْدَهُ؛ ولاَ شَيءَ سِوى العِلْم، ولا نَزالُ نَرَى العُلَماءَ يَنْقُلُونَ عَنْ أكابِرِ الأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي المَسْألَةِ القَوْلَ والقَوْلَينِ والثَلاثَةَ وأكَثَر!؛ وهَذا شَأنُ العالِمِ أنْ يَقُولَ القَوْلَ ويَرْجِعَ عَنْهُ غَدًا، فَإِذا لَمْ يَألَفِ الأَتْباعُ مِن المَتْبُوعِ هَذا؛ وَأنّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ كَما يَقَعُ مِن غَيرِهِ؛ وإلاّ عَدُّوا رُجُوعَهُ عَن شَيْءٍ مِمّا قالَهُ نُكُوصًا عِن الحَقِّ وخُذْلانًا لَهُ؛ كَما يَعُدُّونَ كُلَّ مُخالِفٍ لِما اعْتادُوا سَماعَهُ مِن المُتْبُوعِ كَذلكَ!.
ولُزُومُ العُلَماءِ جَادَّةَ الوَسَطِ والعَدْل؛ مَعَ العَمَلِ عَلَى تَوْسِيعِ مَدارِكِ الطُّلابِ؛ مِما يَحْفَظُ الإنْسانَ مِن الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وقَدْ تَأمَّلْتُ حالَ كَثِيرِينَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى العِلْمِ؛ مِمّنْ كانَ عَلى نَهْجٍ لا يُرْتَضَى مِن العَنَتِ فِي مَسائِلِ العِلْمِ والغُلُوِّ فِيها؛ ثُمَّ صارَ إلَى عَكْسِ هَذا جُمْلَةً واحِدَةً!، فَخانَهُ التَّوَسُّطُ فِي الحالَيْنِ!، فَرَأَيْتُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِهِ التّصَدُّرَ للعِلْمِ قَبْلَ النُّضْجِ فِيهِ؛ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ مُراقَبَةِ ما أَلِفَهُ واعْتادَهُ؛ وعَرْضِهِ عَلَى ما جَدَّ عِنْدَهُ مِن أُصُولِ أَهْلِ العِلْمِ وقَواعِدِهِمْ، وإِلاَّ فَمَنْ وُفِّقَ إلَى لُزُومِ جادَّةِ الوَسَطِ فِي مَبادِئِ الطَّلَبِ؛ واهْتَدَى بِما ذَكَرْناهُ سابِقًا؛ واسْتَعانَ باللهِ أَوّلًا وَآخِرًا؛ وسَألَهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ والثّباتَ والتَّوْفِيقَ؛ كانَ ذلكَ عِصْمَةً لَهُ مِن الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وباللهِ وحْدَهُ التَّوْفِيق.
وقَدْ أطلْنا فِي هَذا الفَصْلِ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، والحَمْدُ للهِ أوّلًا وآخِرًا.
قَرَانا فِي مَواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ أنَّ أَكْلَ اللحْمِ البَشَرِيِّ كانَ شائِعًا فِي يَوْمٍ مِن الأيامِ بَيْنَ القبائلِ (البِدائِيَّةِ) ؛ وفِي أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِن العالَمِ، وأنّ ذلكَ كانَ مَوْجُودًا مِن نَحْوِ خَمْسَةِ آلافِ عام!، وُوِجِدَ فِي الشعُوبِ المُتَأخِّرَةِ تارِيخًا كُسُكانِ (إيرْلَنْداَ) و (إِيبِيرْيا) ؛ وفِي (الدانِماركِ) فِي القَرْنِ الحادِي عَشَرَ المِيلادِيِّ!؛ أيْ بَعْدَ الإسْلامِ بِنَحْوِ أرْبَعَةِ قُرُون!، ولا يَزالُ مَوْجُودًا إلَى يَوْمِنا هَذا فِي بَعْضِ القَبائلِ الأفْرِيقِيَّةِ والآسْيَوِيَّةِ وجُزُرِ المُحِيطِ الهادِئِ، وهُمْ أقوامٌ مُوغِلُونَ فِي الانْعِزالِ عَنِ العالم.