فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 34

وأعِظُهُمْ رَابِعاَ؛ بِتَعْوِيدِهِمْ كَفَّ اللسانِ عَنِ العُلَماءِ والأكابِرِ مِنَ الأُمَّةِ الذِينَ لا يَخْفَى فَضْلُهُمْ؛ وإِنْ جانَبَهُمْ الصَّوابُ فِي مَسائِلَ لا نَرْتَضِيهَا، فَإنَّ غايَتَهُمْ فِي هَذا أنْ تَكُونَ وقَعَتْ عَن اجْتِهادٍ مِنْهُمْ، وما أَحْسَنَ ما أَجابَنِي بِهِ شَيْخُنا أَبُو مُحَمِّدٍ الراشِدِيُّ السنْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَما سَأَلْتُهُ عَنْ الإمامِ العَلامَّةِ أبِي مُحَمَّدٍ بنِ حَزْمٍ؛ فقال: حَسْبُكَ بِابْنِ حَزْمٍ أنْ يَكُونَ رَجُلًا مِن الرَّجالِ يُخْطِئُ ويَصِيبُ!، فَأَيْنَ كَلِمَتُهُ هَذهِ مِن كَلامِ مَنْ يَتَحامَلُ علَى ابْنِ حَزْمِ بِجَوارِحِ الأَلْفاظِ وأقْذَعِ السِّبابِ؛ مِن مُتَعَصِّبَةِ الحَنَفِيَّةِ وغَيْرِهِم!، عَلَى أَنَّ فِي ابْنِ حَزْمٍ -رَحِمَهُ اللهُ - مِن الخُرُوجِ عَن طَرِيقَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فِي الأسْماءِ والصفاتِ؛ ومِن المُبالَغَةِ فِي الجُمُودِ علَى الظاهِرِ؛ ومِن التَّحامُلِ علَى الأَئِمَّةِ والوُقُوعِ فِيهِمْ؛ ما يَصْلُحُ عُذْرًا لِِهَؤُلاءِ المُتَعَصِّبَةِ أَيْضًا؛ إنْ كانَ ما يَقَعُ فِيهِ هَؤُلاءِ الأكابِرُ عَذْرًا لإطْلاقِ أَلْسِنَةِ الجارِحِين!.

وقَدْ يَغْلِبُ علَى العَالِمِ العِنايَةُ بِفَنٍّ دُونَ آخَرَ؛ فَيَكُونُ بَيْنَ كَلامِهِ فِي الفَنَّيْنِ فَرْقٌ ظاهِر، وحَسْبُنا إنْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا أنْ نُنَبِّهَ علَى خَطَأِ مَن أَخْطَأَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّما شُرِعَ الجَرْحُ للضَّرُورَةِ؛ والضّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِها؛ فَإنِ انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ وحَصَلَ المَقْصُودُ مِنْ غَيرِ التّصْرِيحِ باسْمِ المُخْطِئِ فَلا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؛ حِرْصًا علَى صاحِبِ الفَضْلِ لَعَلَّهُ يُراجِعُ عَنْ قَرِيبٍ؛ وحَذَرَ تَهْيِيجِ العامَّةِ والأَتْباعِ مِمّا يُفْضِي إلَى شَرٍّ عَرِيضٍ، وهَذا البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إمامُ هَذهِ الصَّنْعَةِ؛ لَما تَعَرّضَ فِي صَحِيحِهِ لِرَدِّ أَقْوالِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ مَوْضِعًا؛ كانَ يَقُول: وقالَ بَعْضُ النّاسِ؛ ولا يُصَرِّحُ بِذِكْرِ اسْمِهِ!.

فَإِنِ احْتِيجَ إلَى التّصْرِيحِ بِاسْمِهِ لِضَرُورَةِ داعِيَةٍ فَلْيَتَأَمَّلِ الجارِحُ فِيما يَقُولُ؛ وليَتَّقِ اللهِ تَعالَى فِي جَرْحٍ يَنْتَقِلُ فِي أَصْلابِ الآباءِ وأَرْحامِ الأُمَّهاتِ!، ولَيْسَتْ أَلْفاظُ الجَرْحِ رُتَبَةً واحِدَةً فَيَتَخَيَّرُ ما يَشاءُ!؛ بَلْ يَشْرَعُ بِأَخَفِّهِنَّ لِزامًا علَيْهِ؛ ولا يَعْدِلُ عَنْها إلَى التِي تَلَيها إلاّ لِمُوجِبٍ، فَإنْ ذَكَرَ شَيئًا مِن هَذا فَلا يُغْفِلْ ذِكْرَ مَحاسِنِهِ؛ فَإنّ الناسَ قَدْ غلَبَتْ علَيْها الأًهْواءُ؛ والإنْصافُ عازِبٌ عَنْهُمْ إلاّ ما نَدَرَ!.

ثُمَّ - وهُوَ مِلاَكُ الأَمْر - أَنْ لا يَذْكُرَ ذَلكَ إِلاّ عِنْدَ مَن كانَ أَهْلًا لَهُ؛ فَإنّكَ لا تُحَدِّثُ أحَدًا بِكَلِمَةٍ لا يَبْلُغُها عَقْلُهُ إلاّ كانَتْ فِتْنَةً لَهُ، وَوَضْعُ الكَلامِ عِنْدَ مَنْ لا يَعْقِلُهُ ويُحْسِنُ فَهْمَهُ؛ مِن قَبِيلِ وَضْعِ الأَمانَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَخُونُها!؛ أَوْ مِنْ قَبِيلِ إهْداءِ البِكْرِ إلَى عِنِّين!، أمّا فَتْحُ بابِ التّجْرِيحِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ أَمامَ كُلِّ مَنْ دَبَّ ودَرَجَ!؛ وعلَى مَسامِعِ كُلِّ مَن وَلَجَ وخَرَجَ!؛ فَإِنّنا رَأَيْنا الأَحْداثَ الأَغْرَارَ لا يَحْفَظُونَ إِلاّ أَلْفاظَ الجَرْحِ دُونَ الالْتِفاتِ إلَى شَيءٍ سِوَاها؛ ولَو ذكَرَ الجارِحُ مِن مَحاسِنِ المَجْرُوحِ ما ذَكَر!، لأنّ هَؤلاءِ إِنَّما يَنْقُلُونَ ما وَافَقَ الهَوَى؛ وذلكَ حَالُ الأَصاغِرِ فِي العِلْمِ!، ثُمَّ تَرَى هَؤلاءِ الأَصاغِرَ وقَدْ جَعَلُوا ذلكَ اللفْظَ الذي حَفِظُوهُ مِيزانًا للجَرْحِ!؛ وَلا تَسَلْ عَن الحالِ إِذا كَثُرَتِ المَباضِعُ فِي أَيْدِي الجَهَلَةِ المُتَطَبِّبِينَ!، وإلَى اللهِ تَعالَى المَآب؛ وإنْ علَيْنا إلا البَلاغُ وعَلَيْهِ جَلَّ وعَلا الحِساب.

وأَعِظُهُمْ خامِسًا؛ كُلَّما مَرَّ بِأَحَدِهِمْ دَهْرٌ فازْدادَ مَعَهُ عِلْمًا وفَهْمًا؛ أنْ يَكِرَّ علَى ما أَلِفَهُ واعْتادَهُ مِنَ الألْفاظِ والعِباراتِ؛ وَلْيَعْرِضْ مَسْلَكَهُ فِي بَحْثِ مسائلِ العِلْمِ علَى مَسالكِ الأَئِمَّةِ النُّقادِ، فَإنَّ ذلكَ يُوجِبُ لَهُ تَقْيِيدَ ما أَهْمَل؛ وبَيانَ ما أَجْمَل؛ وإِيضاحَ ما أَشْكَل، وَاسْتِدْراكَ ما عَساهُ يَكُونُ قَدْ خَرَجَ فِيهِ عَنْ طَرِيقَةِ المُحَقِّقِينَ مِن العُلَماء، وحالُ المَرْءِ مَعَ ما يَالَفُهُ مِن أَعْجَبِ الأَحْوالِ!؛ وقَدْ قِيلَ: العادَةُ طَبِيعَةٌ ثانِيةٌ!، ولِذا تَرَى الناسَ يَتَتابَعُونَ علَى الأَمْرِ الواحِدِ تَتابُعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت