أطّباءٍ لِكُلٍّ مائَةِ ألْفٍ من الناسِ كَما هُو الحالُ فِي السودان!؛ ويُقابِلُ هَذا فِي البلادِ الغَرْبِيَّةِ أنَّ أَقَلَّها وهِيَ (بِرِيطانيا) يَصِلُ فِيها العَدَدَ إِلَى (164) طَبِيبًا لِكُلِّ مائَةِ ألْفٍ من السكان!.
فَنَقُولُ: لَما كانَ الأَمْرُ كما قَدّمْناه؛ أَرْشَدَ الشارِعُ إلَى هَذا العِلْمِ وحَثَّ علَيْهِ وعَلَى طَلَبِه، فَإِنَّهُ مِن وَسائلِ حِفْظِ القُوَّةِ للأُمَم، وإِذا كانَ (الاقْتِصادُ فِي القُوَّةِ) مِن أُصُولِ فَنِّ الحَرْبِ؛ فَإنَّ المُحافَظَةَ علَى الأَبْدانِ داخِلَةٌ فِي هَذا الباب، ولِذا كانَ من العُلُومِ التِي يُحْتاجُ إلَيها فِي الجِهادِ كَعْلِمْ البَيطَرَةِ وغَيرِهِ، ولِهَذَا يَسّرَ اللهُ تَعالَى للناسِ أسْبابَهُ كما دَلَّ علَيْهِ الحَدِيثُ المَذكُور، وفِي القُرْآنِ الكَرِيمِ الإشارَةُ إلَى الشفاءِ الجامِعِ وهُوَ (العَسل) ؛ وفِي السُّنَّةِ الإشارَةُ إلَى (الحَبَّةِ السوداء) وأنّها شِفاءٌ مِن كُلّ داءٍ!، وهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أنّ طَلَبَ هَذا العِلْمِ من الدّينِ، ويُقالُ إنَّ أَوَّلَ مَن قالَ بِفْصِلِهِ عَنْهُ الطّبِيبُ اليُونانِيُّ الشَّهِيرُ (أَبُقْراط) الذِي خالَفَ مُعاصِرِيهِ؛ واخْتارَ القَولَ بِأنَّ للمَرَضِ أسْبابًا طَبِيعِيَّةَ فَقط!، والفَصْلُ بَينَهُ وبَينَ الدِينِ مَسألَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَن مَسْألَةٍ كُبْرَى نَاتِي عَلَيْها فِي غَيرِ هَذا المَوضِعِ إن شاءَ الله.
عَلّمَتْنِي الحَياةُ أنَّ أَمَرَّ ما يَكُونُ البَلاءُ فِي أَوَّلِ وُقُوعِهِ!، فَإذا رُزِقَ العَبْدُ حُسْنَ الصَّبْرِ علَيْهِ؛ وتَأمَّلَ فِي حُسْنِ الثَّمَرَةِ والعاقِبَةِ؛ لَمْ يَلْبَثْ أنْ يَسْتَحِيلَ الصَّبْرُ حَلاوَةً يَجْدُ مَعَها أُنْسَ النَّفْسِ وراحَةَ الفُؤادِ!، ومِن مَقاصِدِ الابْتِلاءِ فِي الشرْعِ إلْجاءُ العَبْدِ إلَى رِقِّ العُبُودِيَّةِ للهِ سُبْحانَهُ؛ وتِلْكَ سَبٍيلُ الاسْتِعْلاءِ علَى الخارِجِينَ عَن دِينِهِ وشَرْعِه، واسْتِعْلاءُ المُؤْمِنِ بِإيمانِهِ عَلَى الكافِرِ مِن أَجَلِّ الطاعاتِ وأَفْضلِ القُرُبات، وَالابْتِلاَءُ بِالأَسْبَابِ سُنَّةٌ كَونِيةٌ قَدَرِيَّةُ؛ فَصَارَ الابْتِلاءُ بِالعَدُوِّ ابْتِلاءً بالسَّبَبِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْليسُ ظَنَّهُ فاتَّبعُوهُ إلاَّ فَريقًا مَنَ الْمُؤْمنينَ} . أَفَدتُ مَعناهُ من (قوتِ القلُوب لأَبِي طالِبٍ المَكّيّ) . وأَفَدْتُ مِن كلامِ ابْنِ القَيِّمِ الإمامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَقْسِيمِ العُمُرِ إلَى مَراحِلَ تَقْسيمَ أيامِ الابْتِلاءِ إلَى مَراحِلَ أيْضًا، فَإنَّ البَلاءَ لا يَدُومُ علَى وَتِيرَةٍ واحِدَةٍ؛ كما هُو شَأنُ الدُّنْيا!، فَمَن وَقَعَ لَهُ شَيءٌ مِن ذلكَ فَلْيَجْعَلْ كُلَّ يَومٍ مَرْحَلَةً منْهُ؛ فَقد قالَ بَعْضُ من سلَف كما فِي حِلْيَةِ الأولياء: مَثَلُ الابْتِلاَءِ مَثَلُ المَرَضِ وَالسَّقَمِ!، يَمْرَضُ الواحِدُ مِائَةَ سَنَةٍ فَلاَ يَمُوتُ فِيهِ، وَيَمْرَضُ آخَرُ ساعَةً واحِدَةً فَيَمُوتُ فِيهِ!. انْتَهى، والعاقِبَةُ للمُتَّقِين. وأما أنْ يَكُونَ البَلاءُ مِنْحَةً فِي مِحْنَةٍ فَتِلْكَ مَنْزِلَةٌ لا يَنالُها إلاَّ كُلُّ ذِي حَظٍّ عَظِيمٍ، كما وقَعَ لِيُوسُفَ علَيهِ السلامُ؛ ولِغَيرِهِ من الصالِحينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم، جَعَلَنا اللهُ علَى الأثَرِ الحَمِيدِ بِرَحْمَتِهِ وفَضلِه.
الدَّعْوَةُ إلَى اللهِ تعالَى وإنْ كانَتْ أَصْلًا مِن أُصُولِ شَرْعِنا الحَنِيفِ؛ إلاّ أَنَّها تَحْتاجُ إلَى فِقْهٍ يَخْتَصِرُ علَى أَهْلِ العِلْمِ والدُّعاةِ كَثِيرًا مِن الجُهْدِ والوَقْتِ؛ ويُؤَدِّي بِهِمْ إلَى أحْسَنِ الثَّمارِ دُونَ تَحَمُّلِ ما لَمْ يُحَمِّلْهُمُ الشرْعُ إياهُ مِن التكالِيف، وقَدْ تَأَمَّلْتُ حالَ كَثِيرٍ مِن المُتَصَدِّرِينَ للدَّعْوةِ فَرَأيْتُهُمْ يَبْذُلُونَ جُهُودًا عَظِيمَةً فِي عِلاجِ كَثِيرٍ مِن الأَعْراضِ دُونَ أنْ يَنْظُرُوا فِي عِلَلِها وأَسْبابِها!، واعْلَمْ أنَّ هَذا الأَمْرَ كانَ مِن أكْثَرِ ما يَشْغَلُ خاطِرِي فِي مَبادِئِ الطلَب، وكُنْتُ دائِمًا أتَأمَّلُ جُموعَ الناسِ الغادِيَةَ والرائحَةَ فِي الطُّرُقِ والمَجامِعِ والأَسْواقِ؛ وأُفَكِّرُ فِي شَأنِهِمْ؛ وسَبِيلِ إصْلاحِ هَذهِ الجُمُوعِ، ولَمْ أَزَلْ علَى هَذا الحالِ سَنَواتٍ طِوالًا حَتَّى اهْتَدَيتُ بِحَمْدِ اللهِ إلََى السبيلِ المُوصِلِ إلَيهِ.