ومِنْها: أَنّ العُرْفَ العَمَلِيَّ يَصْلُحُ مَقَيِّدًا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِ بَلْخٍ، لِمَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الأُصُولِ فِي مَسْأَلَةِ: إِذَا كَانَتِ الحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً؛ وَالْمَجَازُ مُتَعَارَفًا. انْتَهَى. ذكَرَهُ فِي رَدِّ المُحْتارِ أيْضًا (4/ 79) عَنِ الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ. ومَثّلَ لَهُ بِما لَو قالَ: حَرّمْتُ الطّعَامَ، وَعَادَتُهُمْ أَكْلُ البُرِّ انْصَرَفَ إِلَيْهِ.
ومِنْها: قَوْلُهُمْ بِمَسِّ الحِيطانِ والأشْجارِ فِي البَيْعِ!. رَدُّ المُحْتارِ (5/ 112) .
ومِنْها: تَحْقِيقُهُمُ الخِلافَ فِي الماءِ المُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ؛ قَالُوا: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ. بدائعُ الصنائِعِ، وقَدْ ذكَرَ مشايخُ بَلْخٍ عن أبي حَنِيفَةَ فِي الماءِ المُسْتَعْمَلِ ثلاثَ رِوَاياتٍ كما فِي (اللبَابِ للمَنْبَجِيّ) .
ومِنْها: إنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ؛ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ. من البدائعِ أَيضًا.
ومْنْها: قُولُهُمْ بِصِحَّةِ اقْتِداءِ البالِغِينَ بِالصبْيانِ فِي التطَوُّعاتِ. مِنْهُ أيضًا، والمُخْتارُ فِي مَذهَبِ الحَنَفِيَّةِ أنهُ لا يَجُوزُ فِي الصّلَواتِ كُلِّها، كما فِي فَتْحِ القَدير.
ومِنْها: ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ بَلْخٍ رَحِمَهُمُ اللهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ النِّدَاءُ فِي الأَسْوَاقِ أَنَّ فُلانًا مَاتَ؛ لأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الجَاهِلِيَّةِ. (المُحِيطُ لابنِ مازَة) .
ومِنْها: قَوْلُ بَعْضِهِم: بالاتِّفَاقِ لَوْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الكَعْبَةِ؛ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِكافًا تَجُوزُ صَلاَتُهُ؛ وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَتَعَلَّقَ جَوازُ الصَّلاَةِ باسْتِقْبَالِ الإِكَافِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لاَ مُعْتَبَرَ بِالِبنَاءِ. انتهى من مَبْسُوطِ السرخْسِيِّ. قُلْتُ: وهَذهِ مَسْألَةٌ نافِعَةٌ لِمَنْ يُصَلِّي مِن عُمارِ بَيْتِ اللهِ الحَرامِ - زادَهُ اللهُ تَشْرِيفًا - فِي الأدْوارِ العُلْيا التِي تَرْتَفِعُ عن سَطْحِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ.
واخْتيارَاتُهُمْ تَحْتَمِلُ أنْ تُفْرَدَ فِي تَصْنِيفٍ حافِلٍ رَحِمَهُمُ الله، وقَدْ رَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ أنَّ لِبَعْضِ المُعاصِرينَ مِن كِبارِ عَلَماءِ العِراقِ الحَنَفِيَّةِ تَصْنِيفًا فِي هَذا، ولَيسَ يَحْضُرُنِي الآنَ ذِكْرُهُ.
كَما يَنْتَسِبُ إلَيْها جَماعاتٌ مِن أصْحابِ العُلُومِ والفُنُونِ المُخْتَلِفَةِ؛ والمعرفة منهم: جَلاَلُ الدِّينِ الرُّومِيُّ صَاحِبُ الْمَثْنَوِيِّ، وإِبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ الزاهِدُ المَعْرُوفُ، وَأَبُو زَيْدٍ أَحْمَدُ بنُ سَهْلٍ البَلْخِيُّ، والشَّاعِرُ أَبُو الحُسَيْنِ شَهِيدُ بنُ الحُسَينِ البَلْخِيُّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيٌّ الفَلَكِيُّ المُتْقِنُ.
فاللهُمَّ أَنْعِمْ علَى المُسْلِمِينَ بالرُّجُوعِ إلَى دِينِهِمْ؛ والاسْتِمْساكِ بِهَدْي نَبِيَّهِمْ صلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيْهِ، فَإنَّ فِي ذلكَ سَعادَتَهُمْ فِي الدنْيا والآخِرَة.
خُلُقانِ لا يَلِيقانِ بِطالِبِ العِلْمِ البَتَّةَ، وقَلَّما تَجِدُ مِن ابْتُلِيَ بِأحَدِهِما إلاَّ وابْتُلِيَ بالآخَرِ، الكِبْرُ وشَراسَةُ الخُلُق!، كما تَجِدُ مَعَ التَّواضُعِ لِينَ الطَّبْعِ ودَماثَةَ الأخْلاقِ!، وكَمَا أنَّ الكِبْرَ يَمْنَعُ الطالِبَ مِن تَلَقِّي العِلْمِ عَن الغَيرِ!، فَإنَّ شَراسَةَ الخُلُقِ وحِدَّةَ الطَّبْعِ تَنَفِّرُ الناسَ مِنْهُ وتُبْعِدُهُمْ عَنْه!؛ وتَمْنَعُهُمْ مِن تَلَقِّي العِلْمِ عَنْه، وإنّما تَتَمايَزُ مَعادِنُ الناسِ بِأَخْلاقِهِمْ، وإِنّنِي لَيَطُولُ عَجَبِي مِمَّنْ طالَ عُمُرُهُ فِي العِلْمِ ولَمْ يُهَذِّبِ العِلْمُ لَهُ خُلُقًا ولَمْ يُلَيِّنْ مِنْهُ طَبْعًا!!، فَإنَّ مِن شَأنِ العِلْمِ إذا طُلِبَ للهِ تعالَى أنْ يُكْسِبَ صاحِبَهُ وطاءَةَ الخُلُقِ ووَضاءَةَ الخَلْقِ، وعَلَى مَن ابْتُلِيَ بِذلكَ أنْ يَاخُذَ نَفْسَهُ بالعَزِيمَةِ ويَرُوضَها عَلَى