وما انْتَشَرَ بَيْنَهُمْ مِن الفُسُوقِ واللهْوِ عَلى ما فِيهِمْ مِن المُحْدَثاتِ والبِدَعِ؛ وكُنْتَ تَرَى ذلكَ فِيهِمْ تَلُوحُ آثارُهُ مَعَ جُهُودِ الإمارَةِ فِي مَنْعِهِ!؛ لِطُولِ عَهْدِهِمْ بالشيُوعِيَّةِ أبادَها الله.
وقَدْ فُتِحَتْ بَلْخُ عَلَى يَدِ الأحْنَفِ بِن قَيْسٍ فِي خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وهِي بَلْدَةٌ يَنْتَسِبُ إلَيْها كَثِيرٌ مِن العُلَماءِ والمُحَدِّثِينَ وأهْلِ الفَضْلِ:
مِنْهُمْ: أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ بِنِ بُورٍ البَلْخِيُّ؛ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ طَرْخاَنَ؛ وَغَيْرِهِ، ذَكَرَهُ غُنْجُارُ، كَما فِي تَبْصِيرِ المُشْتَبِهِ لابْنِ حَجرٍ.
ومِنْهُم: حَيَدُ بنُ عَلِيٍّ البَلْخِيُّ؛ بِحاءِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ ياءٍ مَفْتُوحَتَينِ، وَقِيلَ بِالكَسْرِ ثُمَّ السُّكُونِ، كَانَ حَيّا فِي حُدُودِ الثّلاثَمائِةِ.
ومِنْهُمْ: حَمْدُويَةَ (وهَكَذا يَضْبِطُها المُحَدِّثُونَ؛ وأَهْلُ اللغَةِ يَقُولُونَ: حَمْدَوَيْهِ؛ كَسِيبَوَيْهِ) ؛ وهُو: مُحَمّدُ بنُ أَبَانٍ البَلْخِيُّ، مَسْتَمْلِي وَكِيعِ بِنِ الْجَرّاحِ، يُكْنَى: أَبَا بَكْرٍ، رَوَى عَنْهُ البُخَارِيُّ عَنْ مُحَمّدِ بِنِ جَعْفَر؛ الذي يُلَقَّبُ (غُنْدَرَ) فِي أَبْوابِ الصّلاَةِ.
ومِنْهُم: مِن رِجالِ السِّتَّةِ جماعَةٌ؛ كأَبِي مُحَمَّدٍ البلْخِيِّ أَحْمَدَ بنِ عاصِم، وأبِي إسحاقَ البلْخِي إبراهِيمَ بنِ أدْهَمَ الزاهِدِ المَشْهُور، وإبراهِيمَ بن هارُونَ البلْخِيِّ العابِد، وإبراهِيمَ بن يُوسفَ البَلْخِيِّ الماكِيانِيِّ؛ بكَسْرِ الكافِ، وغَيرِهم.
وطالِعْ إنْ شِئْتَ تَرْتِيبَ المَدارِكِ للقاضِي عِياضٍ تَجِدْ فِيهِ جَماعَةً كَثِيرِينَ مِنْهُم، وكذلك كَشْفَ النقابِ لابنِ الجَوزِي؛ وغَيرَها من كَتُبِ التراجِم والطبقاتِ.
بَلْ إنَّ تارِيخَها لَوْ أُفْرِدَ بالتّصْنِيفِ رُبَّما جاءَ فِي نَحْوِ عَشْرِ مُجَلَّداتٍ؛ بِحَسْبِ ما اطّلَعْتُ وجَمَعْتُ مِن مادَّتِه، واللهُ أَعْلَمُ، ومَعَ ما آلَ إلَيْهِ حالُها فَإنَّهُ لا يَزالُ مِن عُلَمائِها بَقِيَّة!، وقَدْ حَدَّثَنا رَفِيقُنا المُجاهِدُ الكَبِيرُ أبو أُسَيدٍ البَلْخِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنّهُ لَقِيَ فِيها قَبْلَ عِدّةِ سِنِينَ رَجُلًا مِن كِبارِ العُلَماءِ يَشْتَغِلُ فِي تَصْنِيفٍ بالعَرَبِيَّةِ يَبْلُغُ عَشْرَ مُجَلَّداتٍ، وقالَ إِنَّهُ كِتابٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَى مِثْلِهِ!؛ لكِنَّ الشيْخَ أَبَى أنْ يُطْلِعَ صاحِبَنا علَى مَوْضُوعِ كِتابِهِ، وآثَرَ الاحْتِفاطَ بِهِ حَتَّى يُتِمّهُ!.
ولا تَعْجَبْ؛ فَإنّ لمَشايِخِ بَلْخٍ مِن الحَنَفِيَّةِ - وهُمْ كَثِيرٌ كَأَبِي بَكْرٍ الإِسْكَافِ؛ وَأَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ؛ ومُحَمَّدِ بنِ سَلَمَةَ؛ وَهُوَ الذي قالَ لِتُجارِ بَلْخٍ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بُيُوعَهُمُ الفاسِدَةَ: إنَّ الْعِينَةَ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنْ بِيَاعَاتِكُمْ!، والفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ وغَيرِهِم - أَقُولُ: إنّ لَهُمْ اخْتياراتٍ فِقْهِيَّةً تَشْهَدُ بِرُسُوخٍ فِي العِلْمِ وطُولِ باعٍ فِِيه، ونَحْنُ نَذكُرُ هُنا بَعْضَ ذلكَ تَكْمِيلًا للفائدَة:
فَمِنْها: قَوْلُهُمْ بِرَفْعِ اليَدَينِ فِي تكْبِيراتِ الجَنازَةِ؛ فِي كُلِّ تَكْبيرَةٍ مِنْها كما فِي بَدائعِ الصنائعِ، واحْتَجُوا بَأنَّها يُؤْتَى بِها فِي حالَةِ القِيامِ كَتَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ كما فِي المُحِيطِ لابْنِ مازَة، وعَلَّقَ عَلَيْهِ الْخَيْرُ الرّمْلِيُّ الشافِعِيُّ فِي حَاشِيَةِ البَحْرِ فِي بَابِ الجَنَازَةِ بِقَوْلِهِ: إِنّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا - أَيْ مِمّا قَالَهُ أَئِمَّةُ بَلْخٍ - أَنّ الأَوْلَى مَتَابَعَةُ الْحَنَفِيِّ للشَّافِعِيِّ بِالرَّفْعِ إِذَا اقْتَدَى بِهِ. كذا في حاِشيَةِ رَدِّ المُحْتارِ (1/ 509) .