فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 34

فَمِنْ ذلكَ: تَانِيسُ أَهْلِ دَعْوَتِهِ بِما يُحَبِّبُهُ إلَيْهِمْ ويُقَرِّبُهُ مِنْهُمْ؛ فَإنَّهُ أَدْعَى لإقْبالِهِمْ علَيْهِ؛ وتَلَقِّيهِمْ عَنْه.

ومِنْهُ: أنّ تَعْرِيفَ الداعِيَةِ بِنَفْسِهِ؛ وإظْهارَ ما فَضَّلَهُ اللهُ بِهِ مِن العِلْمِ؛ لِيتَوسّلَ بِذلكَ إلَى تَبْلِيغِ الخَيرِ للناسِ لا يُنافِي ما أَمَرَ اللهُ تَعالَى بِهِ مِن التَواضُعِ وخَفْضِ الجَناحِ للمُؤْمِنِينَ، وإنّما التّواضُعُ كما قالَ إبراهِيمُ بنُ الأدْهَمِ رَحِمَهُ اللهُ أن يَضَعَ المَرْءُ نَفْسَهُ فِي المَوضِعِ الذي جَعَلَهُ اللهُ أهْلًا له، ولاَ بُدَّ للداعِيَةِ والعالِمِ أنْ يُفَرِّقَ بَينَ إظْهارِ التَّواضِعِ فِي حَضْرَةِ أهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ؛ فَتِلْكَ فَضِيلَةٌ يَحْتاجُ إلَيْهَا، لأنَّها تَحْمِلُهُ علَى الازْدِيادِ مِن العِلْمِ والحِرْصِ علَيهِ؛ فَلا يَسْتَنْكِفُ عَنْ أَخْذهِ عَنْ أَهْلَهِ المُؤَهَّلِينَ وإنْ تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُّ وارْتَقَى فِي طَلَبِهِ، وبَيْنِ إظْهارِ التّواضِعِ عِنْدِ الجَهَلَةِ والمُتَعالِمِينَ؛ فَإنّ فِيهِ تَنْقِيصًا للعِلْمِ؛ وتَجْرِيئًا لَهُمْ علَيه؛ وهُو مِن وَضعِ الشيءِ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، وتَأَمَّلْ فِي الحَدِيثِ قَوْلَهُ (أنا) ؛ وقولَه (بِمَنْزِلَةِ الوالِدِ) ؛ وقَولَهُ: (أُعَلِّمُكُمْ) ، فإنهُ دليلٌ لما ذكَرْناه.

ومِنْهُ: أنّ الرَّحْمَةَ بالخَلْقِ والشَّفَقَةَ علَيْهِمْ خُلُقانِ لا بُدَّ لأهْلِ العِلْمِ والدُّعاةِ إلَى اللهِ مِنْهُما، وهَذا هُوَ شَأنُ الوالدِ مَعَ بَنِيه، وَيْحْتاجُ مَعَ ذلكَ إلَى حِفْظِ الهَيْبَةِ؛ لأّنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السُّلْطانِ؛ ولا يُحْفَظُ السْطانُ إلاّ بِها، ومُقْتَضَى ذلكَ كُلِّهِ أنْ يُغَلِّبَ جانِبَ الشَّفَقَةِ والرّحْمَةِ علَى الشِّدَّةِ؛ فَإنِ احْتِيجَ إلَى الشدَّةِ فِي مَوْضِعٍ فَلْيَقْدُرْ لِذلكَ قَدْرَهُ لِقَولِهِ تعالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًَّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، فَإنِ احْتاجَ إلَى المُعاقَبَةِ فَلْيُبَيِّنْ سَبَبَ ذلكَ؛ كَما وَقعَ لَمُوسَى عَلَيهِ السلامُ مَعَ الخَضِرِ رَحِمَهُ الله.

ومِنْهُ: أنْ يَحْذَرَ العالِمُ مِن إظْهارِ المَيْلِ هَوَى وعَصَبِيَّةً لأَحَدٍ دُونَ أَحَد، فَإنَّ الوالِدَ مَتى مالَ إلَى بَعْضِ أبْنائِهِ دُونَ بَعْضٍ أَفْسَدَهُم!، وإنَّما الواجِبُ علَيْهِ أنْ يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا للْحَقِّ حَيْثُ كانَ، وهَكَذا العالِمُ سَواءٌ بِسَواءٍ، ومَنْ تَأمَّلَ أحْوالَ الناسِ وما صارُوا إلَيْهِ مِن التَّفَرُّقِ الذِي نَهَى اللهُ عَنْهُ حَتّى غَدَوا شِيعًا وأحْزابًا، وأمْعَنَ النَّظَرَ فِي أسْبابِ ذلكَ وعِلَلِهِ؛ ظَهَرَ لَهُ أنَّ كَثِيرًا مِنْهُ راجِعٌ إلَى تَعَصُّبِ طَوائِفَ مِن المُنْتَسِبِينَ إلََى العِلْمِ للفِرَقِ والأحْزابِ مِن الناس!، ورُبَّما كانَ قَصْدُ العالِمِ مِن ذلكَ حَسَنًا، لكِنَّ الأَتْباعَ لا يَلْبَثُونَ أنْ يُحِيطُوا بِهِ وَيُزَيِّنُوا لَهُ ما يَقُولُهُ وما يَاتِيهِ؛ وهُمْ مِن بَعْدُ سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَهُ، وحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُ!، لا يَرَوْنَ الصوابَ إلاّ فِي قَوْلِهِ واخْتِيارِهِ!؛ ولا الباطِلَ إلاّ فِي قَوْلِ مَنْ خالَفَهُ، ولا يَزالُ ذلكَ بِهِمْ إلَى أنْ يَصِيرُوا إلَى صِبْغَةٍ واحِدَةٍ ولَوْنٍ واحِدٍ يَمْتازُونَ بِهِ عَمنْ سِواهِم، ويُبايِنُونَ بِهِ مِن خالَفَهُمْ، حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَتَعَصَّبُ لاخْتِيارِ شَيْخِهِ فِي المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ التِي يَسَعُ المُخالِفَ فِيها الخِلافُ، وذلكَ مَظِنَّةُ هَجْرِ الإنْصافِ مَعَ المُخالِف؛ فَيَنسِبُونَ إلَيْهِ كُلَّ ما نُقِلَ عَنْهُ ويَتَهاوَنُونَ فِي حِكايَتِهِ؛ وكأنَّ مُخالَفَتَهُ تُبِيحُ ذلكَ مِنْهُ!، وقَلَّ مِن المَتْبُوعِينَ مِن يَسْلَمُ مِن هَذا أو يَتَفَطَّنُ إلَيْه!، وَلَولا أَنّنا رَأيْنا هَذا مِن الناسِ نَهْجًا مَطْرُوقًا وهُمْ عَنْ عَواقِبِهِ غافِلُونَ؛ ما حكَيْنا مِنْهُ حَرْفًا واحِدًا، وطَرِيقُ السلامَةِ مِن هَذا كُلِّهِ أنْ يُنْزِلَ العَالِمُ نَفْسَهُ مِن الناسِ مَنْزِلَةَ الوالِدِ كَما أشَرْنا إلَيه، فَإنَّهُ كُلَّما اسْتَشْعَرَ ذلكَ كانَ أشْرَحَ صَدْرًا وأوسَعَ قَلْبًا وأمْلَكَ لِزمامِ الحِكْمَةِ فِيما ياتِيه. وبِالله وحدَهُ التوفِق.

قَرَأتُ مُنْذُ سِنِينَ خَلَتْ فِي إحْدَى المَجَلاَّتِ أنَّ الشَّعْبَ (البَرِيطانِيَّ) يُقَالُ لَهُ (دُودُ الكُتُبِ) ! لكَثْرَةِ إقْبالِ الناسِ علَى القِراءَةِ والمُطالَعَةِ!، وهُوَ كَلامٌ صَحِيحٌ فِي الجُمْلَةِ، فَإنّكَ لا تَرْكَبُ حافِلَةً أو قِطارًا أو تَجْلِسُ فِي مَوْضِعِ انْتِظارٍ مَعَ الناسِ إلاّ رَأَيْتَ مِصْداقَ ذلكَ؛ فلا تَكادُ تَرَى راكِبًا رَجُلًا كانَ أو امْرَأةً إِلاَّ مُمْسِكًا بِصَحِيفَةٍ أوْ مَجَلَّةٍ أو كِتابٍ!؛ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَما يَقْرَأُونَ.

وكانَ مِن أَصْحابِنا مَن يُعَلِّقُ علَى هَذا بِقَوْلِهِ: كَمْ أتَمَنَّى أنْ أرَى فِي بِلادِنَا رَجُلًا فِي حافِلَةٍ يَقْرَأُ صَحِيفَةً أو كِتابًا!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت