فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 34

ولَو قِيلَ بالفَرْقِ؛ فالنَّفْعُ العائِدُ مِنَ الكَثْرَةِ علَى تَرْبِيَةِ الصِّغارِ يَرْجِحُ علَى النَّفْعِ الذي يَجْنِيهِ المُرَبِّي - (أبًا كانَ أو أُمًّا أو مُعَلّمًا) - مِنْ قِلَةِ العَدَدِ، وذلكَ مِن وُجُوه:

الأَوَّل: أنَّ مِن شَأنِ الصغِيرِ أنْ يُقَلِّدَ مَنْ هُوَ أكْبَرُ مِنْهُ مِن الصِّبْيانِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِن مُحاكاتِهِمْ أَضْعافَ ما يَتَعَلَّمُهُ مِن المُعلّمِينَ والمُرَبِيِّنَ؛ فَإذا أَحْسَنَ المُرَبِّي تَرْبِيَةَ الأَوَّلِ جَرَّ بِذلكَ النَّفْعَ إلَى مَنْ يَلِيهِ مِن الصِّبْيانِ؛ وكانَ عَونًا لَهُ علَى بُلُوغِ مَقْصُودِه.

الثانِي: أَنَّ كَثْرَةَ الصِّبْيانِ تُوجِدُ بَيْنَهُمُ التّنافُسَ فِي الأَقْوالِ والأَعْمالِ؛ وذلكَ مِن أَكْبَرِ العَوْنِ للمُرَبّينَ إنْ أَحْسَنُوا اسْتِغْلالَهُ فِي تَحْرِيضِهِمْ علَى فِعْلِ الخَيرِ وتَوجِيهِهِمْ إلَيه.

الثالِثُ: أَنَّ كَثْرَةَ الصِّبْيانِ يَكُونُ مَعَهُ اخْتِلافُ المَواهِبِ والمَلَكاتِ!، وفِي ذلكَ نَفْعٌ للمُرَبِّي باعْتِبارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ والمُوازَنَهِ بَيْنَهُمْ؛ فَيُعامِلُ كُلاًّ مِنْهُمْ بِما يَقْتَضِيهِ طَبْعُهُ، وتُمْلِيهِ جِبِلَّتُهُ؛ ويَغْرِسُ فِيهِمْ أنَّ مَواهِبَهَمْ ومَلَكاتِهِمْ يُكَمِّلُ بَعْضُها بَعْضًا؛ وأَنَّهُ لا غِنَىً بِأَحَدِهِمْ عَن الآخَرِ!؛ وفِي ذلكَ مَنْعٌ للتَّحاسُدِ بَيْنَهُمْ، وفِيهِ نَفْعٌ للصِّبْيانِ أَيْضًا بِتَعْوِيدِهِمْ عَلَى اخْتِلافِ المَلَكاتِ، فَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ مُسْتَعِدًّا لِذلكَ قابِلًا لَهُ؛ لأَنّهُ لا بُدَّ أنْ يَجِدَ ذلكَ فِي المُجْتَمَعِ إذا تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُّ وَأَمْلَتْ عَلَيهِ الحَياةُ مُعاشَرَتَهُ؛ إذْ تَبايُنُ العَطايا والمِنَحِ الإلَهِيَّةِ سُنَّةٌ مِن السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ فِي الحَياةِ كَما دَلَّ عَلَيهِ قَوْلُهُ تَعالَى: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا} ؛ فَإذا هُيّءَ الصَّبِيُّ لذلكَ فِي مَنْزِلِهِ واعْتادَهُ فِي صِغَرِهِ كانَ تُفاعُلُهُ مَعَ المُجْتَمِعِ أكْثَرَ إِيجابًا ومُلاءَمَةً ونَفْعًا، ولَيْسَ كَذلكَ حالُ الواحِدِ والاثْنَيْنِ مِن الصبْيان!، ولا يُعارَضُ هَذا بِحُصُولِهِ للصَّبِيِّ فِي المَدْرَسَةِ أَيْضًا؛ فَإنَّ ما يَحْصَلُ لَهُ فِي البَيْتِ أَكْبَر وأكْثَر، ولَيْسَ كالوَالِدَينِ فِي مَعْرِفَةِ دَاخِلَةِ وَلَدِهِما وسِرِّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ الأخْلاقَ لَما كانَ مِنْها ما هُو جِبِلِّيٌّ؛ ومِنْها ما هُوَ كَسْبِيٌّ علَى التَحْقِيقِ، وكانَ ذلكَ مُقَسَّما بَيْنَ العِبادِ تَقْسيمَ الأرْزاقِ أيْضًا؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الأوْلادِ تُفْضِي إلَى تَعَرُّفِ الصَّبِيِّ عَلَى مَحاسِنِ الأخْلاقِ ومَساوِئِها، وَلا يَخْفَى أَثَرُ هَذا فِي التَّرْبِيةِ والتَّوْجِيه.

فائدَة: فِي قَوْلِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: تَزوّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ وفِي رِوايَةٍ: خَيْرُ نِسائِكُم .. ؛ نُكْتَةٌ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَين، قالَ فِي فَيْضِ القَدِير: لأَنّ الوَدُودَ إِذَا لَمْ تَكُنْ وَلُودًا لاَ يَرْغَبُ الرجُلُ فِيهَا، والوَلُودُ غَيْرُ الوَدُودِ لاَ تُحَصِّلُ المَقْصُود.

قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: الوَدُودُ هِي: العَئُودُ كَثِيرَةُ المَحَبَّةِ للزَّوْجِ، ومَن كانَ هَذا شَأنُها أَثَّرَ خُلُقُها فِي وَلَدِها؛ وإذا سادَ بَيْنَ الصِّبْيانِ خُلُقُ المَوَدَّةِ؛ كانَ مِن أَعْظِم العَوْنِ للمُرَبِّينَ ولَوْ كَثُرَ الأَبْناءُ. والله أعْلَم.

عَلَى كَبِيرِ القَدْرِ أَنْ يَتَرَفَّعَ عَن كَلامِ العامَّةِ والأصاغرِ!، بَلْ لَو اسْتَوى كَلامٌ العالِمِ وكَلامُ صِغَارِ الطّلَبَةِ لكانَ العالِمُ بِذلكَ مَغْبُونا، فَإنَّ الطالِبَ فِي أوائلِ الطَلَبِ تُغْتَفَرُ لَهُ زَلاّتُهُ وهَفَواتُهُ؛ ولا يُؤَاخَذُ بِها مُؤاخَذَةَ مَن تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُ وارْتَقَى بِهِ الطّلَبُ؛ كَما نَبَّهَ عَلَيهِ العَلاَّمَةُ المُعَلِّمِيُّ اليَمانِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ رَحِمَهُ الله، ولَمْ أَرَ أحَدًا أَحَقَّ بِهَذا مِن العُلَماءِ والدُّعاةِ!، كَما لَمْ أَرَ اللفْظَ المُسْتَهْجَنَ أَشَدَّ هُجْنَةً عَلَى لِسانِ أَحَدٍ مِنْهُ علَى لِسانِ العالِمِ والداعِيَةِ إلَى الله!، واللفْظُ الحَسَنُ لَهُ مِن الوَقْعِ فِي النَّفْسِ ما لَيْسَ لَغَيْرِهِ، وفِي مُراعاةِ هَذا جُمْلَةٌ مِن الفَوائد:

الأُولَى: أنْ يَتَمَيَّزَ الداعِيَةُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ من الناسِ؛ فَإنْ حافَظَ علَى ذلكَ صارَ عَلَمًا علَيهِ.

الثانِيةُ: أَنَّهُ يَحُلُّ بِذلكَ مَحَلَّ القُدْوَةِ الحَسَنَةِ مِن أنْصارِهِ ومُحِبِّيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت