لا تارِيخَ لَهُمْ!، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ مُبالَغَةٌ ظاهِرَةٌ إلاَّ أنَّ لَهُ وجْها صَحِيحًا أيْضًا!، فَإنْكَ لَو نَظَرْتَ فِي كُتُبِ التراجِمِ وَجَدْتَ كَثِيرًا مِنْها يَعْتَنِي بِذكْرِ تارِيخِ الوِلادَةِ والوَفاةِ؛ وما بَيْنَهُما يُخْتَصَرُ اخْتِصارًا يَكادُ الناظِرُ يَقُولُ مَعَهُ: إِنَّما وُلِدَ فُلانٌ لِيَمُوتَ!، فَإذَا قَرَأتَ فِي أخْبارِ السلاطِينِ والمُلُوكِ وجَدْتَ مِن التّطْوِيلِ ما يُمِلُّكَ، بَلْ تَرَى مِن التَطْوِيلِ فِي فَسادِ أحْوالِهِمْ ما لا تَراهُ فِي صالِحِها!، ثُمَّ تَرَى مَعَ ذلكَ مَنْ يُرِيدُ الحُكْمَ علَى الأُمَّةِ بِأسْرِها مِنْ سِيَرِ مُلُوكِهِا، وما أُولَئكَ بالمُنْصِفِينَ.
قالَ كاتِبُهُ عَفا اللهُ عَنْهُ: أَفَدْنا فِكْرَةَ (كِتابَةِ التارِيخِ) هَذهِ مِن مَواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِن كِتابِ قِصَّةِ الحَضارَةِ لِ (وِلْ ديُورانْتْ) وغَيْرِهِ مِن الكُتُبِ، وباللهِ التوفِيق.
حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ سَمِعَ شَيْخَنا الشيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الراشِدِيَّ السِّنْدِيَّ رَحَمِهُ اللهُ وقَدْ سُئِلَ عَن العَلامَةِ الشيخِ عطاءِ اللهِ حَنِيف الفوجْيانِيِّ السلَفِيِّ صاحِبِ التعْلِيقاتِ السلَفِيَّةِ علَى سُنَنِ النسائِيِّ؛ فَقال: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ العِلْمَ والعَمَلَ وحُسْنَ الأخْلاقِ!. انْتَهى.
وقَلْتُ أنا مِثْلَ هَذا فِي الشيخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِن يُوسَفَ عَزّام رَحِمَهُ الله؛ وأَشْهَدُ أنَّ الرجُلَ قَدْ جُمِعَتْ لَهُ هَذهِ الثلاثَةُ، ومِلاكُها حُسْنُ الخُلُقِ، وقَدْ رَأَيْتُ الصِّبْيانَ المُتَفَيْقِهِينَ يَتَطاوَلُونَ علَيْهِ ولا يَرْعَوْنَ لَهُ عِلْمًا ولا هِجْرَةً ولا جِهادًا!؛ ولا سِنًا؛ مَعَ أَنَّهُ فِي عُمُرِ والِدِ أَحَدِهِم!!، ومَعَ هَذا؛ فَما تَرَكُوا فِي الشيْخِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلاَّ وتَناوَلُوهُ بِطَعْنَةِ كُفْرٍ أَوْ ضَرْبَةِ فِسْقٍ أَوْ رَمْيَةِ بِدْعَة!، والشيخُ مَع هَذا كُلِّهِ مُنِشرِحُ الصدْرِ بَسّامٌ فِي وُجُوهِ مَن يُؤْذُونَهُ!، فَلَما قَضَى اللهُ تَعالَى علَيْهِ المَوْتَ وانْتَقَلَ إلَى رَحْمَتِهِ تَعالَى؛ بَكاهُ هَؤلاءِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ!، فَكأَنَّما المَوْتُ تَزْكِيَةٌ للمَيِّتِ وإزالَةٌ للغِشاوَةِ عَن عَيْنِ الحَيِّ!، وصَدَقَ مَن قالَ مِن السَّلَفِ: أَزْهَدُ قَوْمٍ فِي عالِمٍ أَهْلُهُ!، فَهَلاَّ إِذْ كانَ الأَمْرُ كَذلكَ عَرَفْنا لِصاحِبِ الفَضْلِ فَضْلَهُ وأَنْصَفْناهُ فِي حَياتِهِ كَما نُنْصِفُهُ بَعْدَ مَماتِهِ؟!.
وأَيْنَ هُوَ الآنَ وأينَ هُمْ؟!؛ وبِذلكَ فلْيَعْتَبِرِ الناظِرُ، فَقَدْ لاحَ فِي سَماءِ الفَضْلِ نَجْمُهُ، وأَفَلَتْ نُجُومُهُمْ، ونَحْنُ لا نُحِبُّ الآفِلِينَ، وللهِ عاقِبَةُ الأمُور.
دَرَجَ كَثِيرٌ مِن كُتّابِنا عَلَى نَقْلِ أَقْوالِ المُسْتَشْرِقِينَ وغَيرِهِم مِن الغَرْبِيِّينَ الذينَ أنْصَفُوا الإسْلامَ وحَضارَتَهُ، وهَذا وإنْ كانَ حَسَنًا مَطْلُوبًا فِي بَعْضِ المَواطِنِ - عَلَى مَآخِذَ فِيه؛ لأنَّ كَثِيرًا مِن هَؤلاءِ يُنْصِفُ الإسْلامَ مِن وَجْهٍ ويَتحامَلُ علَيْهِ مِن وُجُوهٍ؛ كما صَنَعَ مُؤَلِّفُ (قِصَّةِ الحضارَةِ) ! -؛ إِلاَّ أنَّ الأحْسَنَ مِنْهُ أَنْ تَتَضافَرَ جُهُودُ عُلَمائِنا وكُتابِنا ودُعاتِنا عَلَى إبْرازِ مَحاسِنِ الإسْلامِ ودَعْوَتِهِ بِما يَتَناسَبُ مَعَ مطالِبِ العَصْرِ وتَطَوُّرَاتِ الحَياةِ المَدَنِيَّةِ فِيهِ، حَتَّى تَكُونَ لَنا أحْكامُنا المُسْتَقِلَّةُ التِي تَسْتَنِدُ إِلَى عُمْقِ النَّظَرِ فِي أغْوارِ الحَوادِثِ والعِلَل.
وإِنَّهُ لِمِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أنْ يَظَلَّ كُتابُنا عَالَةً فِيما يَكْتُبُونَ علَى أُولَئِكَ القَوْمِ، حَتَّى بِتْنا لا نَرَى فِي الغالِبِ إلاَّ كِتابَاتٍ أشْبَهَ بِفَنِّ الإنْشاءِ مِنْها بِطَرِيقَةِ الحُكَماءِ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ قَواعِدَ الإصْلاحِ الكُلِّيَّةِ مِن قِراءَةِ جُزْئِيَّاتِ الحَياةِ وأَبْعاضِ مُشْكِلاتِها،