وحَكَى الرُّواةُ أيْضًا أنّ أكْثَرَ الدَّمارِ والقَتْلِ الذي حَلَّ بالبِلادِ والعِبادِ كانَ فِي الثَّوانِي العَشَرَةِ الأُولَى مِن الزلزَالِ!؛ وكانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورا.
وقَدْ كانَ لَي فِي هَذا القَصَصِ مِن العِبْرَةِ والعِظَةِ ما سَأقُصُّهُ علَيكَ إن شاءَ الله.
ذلكَ أنّنِي تَأَمَّلْتُ أحْوالَ الناسِ؛ فَرَأَيْتُهُمْ يُعْرِضُونَ عَمّا أوْجَبَهُ اللهُ تعالَى مِن الجِهادِ فِي سَبيلِهِ ويَتَثاقَلُونَ عَنْهُ فِرارًا مِمّا يُفْضِي إلَيْهِ مِنَ إِتْلافِ النُّفُوسِ وإزْهاقِ الأرْواحِ، عَلَى أنّ فِي ذلكَ حَياةً وكَرامَةً لَهُمْ فِي الدُّنْيا والآخِرَة، فَإنَّهُمْ لَو قَامُوا بِهِ كَما أمَرَ اللهُ تعالَى كانَ مِن أعْظَمِ أَسْبابِ رِضْوانِهِ عَنْهُمْ، ومَعِيَّتِهِ لَهُمْ سُبْحانَهُ، كما قالَ تعالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ؛ والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ فِي سَبيلِ اللهِ؛ فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللفْظِ، وفِي اللّبابِ لابْنِ عادلٍ: والمعنى: وَالذِينَ جَاهَدُوا المشْرِكِينَ لنُصْرَةِ دِينِنِا، وقال البَيْضاوِي: وَإِطْلاَقُ المُجاهَدَةِ لِيَعُمَّ جهادَ الأَعَادِي الظّاهِرَةِ وَالباطِنَةِ بِأَنْوَاعِهِ، وفِي تَفْسِيرِ العِزِّ بن عَبْدِ السلامِ: جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَوَاهَا، أَوِ العَدُوَّ بِالقِتَالِ، أَوِ اجْتَهَدُوا فِي الطّاعَةِ وَتَرْكِ المَعْصِيَةِ، أَوْ تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ جِهَادًا لأَنْفُسُهِمْ. انْتَهى. وفِيها دَلِيلٌ علَى أنَّ الجِهادَ مِن الإحْسانِ، وأنّ الإحْسانَ سَبَبٌ لِمَعِيَّةِ اللهِ تعالَى لِعِبادِهِ، ومَن كانَ مَعَ اللهِ تعالَى كانَ اللهُ مَعَهُ؛ وحَفِظَهُ مَن الشُّرُورِ والآفاتِ.
وما يُصِيبُ الناسَ فِي مِثْلِ هَذهِ الحَوادِثِ - وإنْ كُنّا نَرْجُوا أنْ يَجْعَلَهُ اللهُ تعالَى كَفارَةً لَهُمْ - إِنّما هُوَ مِن عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ؛ ومِما كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ؛ كما بَيّنَ سُبْحانَهُ فِي كِتابِهِ الكَرِيمِ، فالعَجَبُ مِن الناسِ!؛ كَيفَ يَحتَمِلُونَ القِيامَ بِضَرِيبَةِ المَعْصِيَةِ علَى عِظَمِها!؛ مَعَ ما يَتَرَتَّبُ علَيْها مِن سَيِّءِ الآثارِ، ثُمَّ لا يَتْرُكُونَ الطاعَةَ لِمَشَقَّةِ تَكالِيفِها بِزَعْمِهِمْ، مَعَ أن المَحْمُودَ مِن آثارِها لا يُحْصِيهِ غَيرُ الخالِقِ سُبْحانَه؟!.
وتَأمَّلْ: لَو أنَّ المائَةَ أَلْفٍ الذينَ قُتِلُوا رَحِمَهُمُ الله؛ بذَلُوا نُفُوسَهُمْ جِهادًا فِي سَبيلِ اللهِ؛ حَتَّى قُتِلَ عُشْرُ عَدَدِهِمْ!، ما كُنْتَ تَراهُمْ يَصْنَعُونَ مِن النكايَةِ بِأعْداءِ الدِينِ؛ وإقامَةِ شَرْعِ اللهِ فِي الأرْضِ؟!، بَلْ لَوْ أَنَّهُمْ قُتُلِوا فِي الجِهادِ أجْمَعُونَ فاسْتَوى الغُرْمُ! كَما يُقال؛ لكانَ بَينَ ثَمَرَةِ هَذا وثَمَرَةِ ذاكَ مِن البُعْدِ كما بَيْنَ المشرِقِ والمَغْرِبِ!، وللهِ عاقِبَةُ الأمَور.
رَحَلْتُ قَبْلَ سِنِينَ لِلِقاءِ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ للاسْتِفادَةِ والاسْتِجازَةِ، وكُنْتُ أَلْقاهُ لأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَسَألْتُهُ أنْ أَقْرَأَ عَلَيهِ أطرافًا مِن الكُتُبِ الستَّةِ لِيُجِيزَنِي، فَأجابَنِي إلَى ما طَلَبْتُ أثابَهُ الله، واكْتَفَى بِأنْ أَقْرَأَ عَلَيهِ الحَدِيثَ الأولَ مِن الصحِيحِ - حَدِيثَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهِ - بِسَنَدِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ الله، وأنْ يَقْرَأَ عَلَيَّ آخِرَ حَدِيثٍ مِنْه، ولَمْ أكُنْ أحْمِلُ مَعِي نُسْخَتِي مِن الصّحِيحِ لأنَّنِي كُنْتُ عازِبًا عَنْ مَكْتَبَتِي وظَنَنْتُ أَنَّنِي أَلْقَى الشيْخَ فِي مَكْتَبَتِهِ كما وَقَعَ لِي مَعَ غَيْرِهِ، لكِنَّ شَيئًا مِن ذلكَ لَمْ يَكُن!، فَلَمّا أَرَدْتُ قِراءَتَهُ مِن حِفْظِي أُرْتِجَ عَلَيَّ لِطُولِ عَهْدِي بِهِ!، وكُنْتُ أحْفَظُهُ مِنْ قَبْلُ وللهِ الحَمْد، فَأفَدْتُ مِن هَذا اللقاءِ - غَيرَ الإجازَةِ - أنَّ الطالِبَ يَيْبَغِي لَهُ أنْ لاَ يُخْلِي نَفْسَهُ مِن حَفْظِ بَعْضِ الأحادِيثِ بِأسانِيدِها مِن الكُتُبِ السِّتَّةِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ حافِظًا لِجَمِيعِها، وأنَّ عَلَيِهِ العِنايَةَ بِمُراجَعَةِ مَحْفُوظِهِ والمُدَاوَمَةَ علَيْهِ لاسْتِحْضارِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وإنّما الحَبْرُ مَن أمْلَى عَلَيْهِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ، كما قالَ السُّبُكِيُّ فِي الطبقاتِ رَحِمَهُ الله.
وهَذا الذي حَكَيتُهُ هَنا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْتُهُ فِي (الوِجازَةِ) عَنِ العُلَماءِ رَحِمَهُمُ اللهُ مِن أنَّ الإكْثارَ مِن لِقاءِ الشيُوخِ يَحْصُلُ بِهِ كَثِيرٌ مِن الفَوائِدِ، وباللهِ وحْدَهِ التَّوْفِيقُ.