فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 34

ونَحْنُ بِحاجَةٍ شَدِيدَةٍ إلَى مِثْلِ هَؤلاء، أما العِنايَةُ بِظَواهِرِ الأُمُورِ دُونَ سَبْرِ أَعْماقِ حَقائِقِها فَمِنْ شَانِهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ العُقُولِ وبَينَ الإصْلاحِ المَطْلُوبِ، وأنْ يَمُدَّ فِي غَفْلَةِ الغافِلِينَ، فالحَذَرَ الحَذَر.

10 -{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}.

أَنْ يُعَلَّمَ الشابُّ الناشِئُ أَحْكامَ ما يَسْأَلُ عَنْهُ مِن الحَوادِثِ والنَّوازِلِ التِي طَرَأَتْ وتَطْرَأُ علَى حَياةِ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ، ومِنْها الحَوادِثُ الكُبْرَى التِي آلَتْ إلَى تَنْحِيَةِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ وإحْلالِ القانُونِ الوَضْعِي مَحَلَّها؛ وما أَثْمَرَ ذلكَ مِن تَسَلُّطِ الأُمَمِ علَى أُمَّةِ الإسْلامِ؛ وما يَتَرَتَّبُ علَى ذلكَ مِن الأحْكامِ، وأنْ يُحْمَلَ الرّاغِبُ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ علَى سُلُوكِ الجادَّةِ المَطْرُوقَةِ التِي يَتَعَيَّنُ علَيْهِ سُلُوكُها؛ وَالتِي يَتَأَهَّلُ بِها للإفْتاءِ فِي مِثْلِ هَذهِ النّوازِلِ، هَذا كُلُّهُ شَيءٌ، وأنْ يُصْبِحَ الحَدِيثُ فِي هَذهِ المَسائِلِ التِي أَعْيَتْ أكابِرَ العُلَماءِ قُوتًا تَلُوكُهُ أَلْسِنَةُ الجَهَلَةِ الأغْرارِ فَهَذا شَيءٌ آخَرُ، ونَهْجٌ لا أَرْتَضِيهِ، وكَيْفَ يُؤْذَنُ لِمَنْ لا يُحْسِنُ الُوضُوءَ ولا الصلاةَ أنْ يَتَصَدَّرَ لِمِثْلِ هَذا؟!؛ وهَلْ تَرَاها هَزُلَتْ حَتَّى سامَها أُولئِكَ المَفالِيسُ؟! ...

والناسُ أَهْدَى فِي القَبِيحِ مِنَ القَطَا ... وَأَضَلُّ فِي الحُسْنَى مِنَ الغِرْبَانِ!.

وقَدْ رَأَيْتُ للشَّيْطانِ مَداخِلَ عَجَبًا يَنْفُذُ مِنْها إلَى الجُهال، فَإنَّهُ لا يَزالُ يُغْرِيهِ بِما يَسْمَعُهُ مِن عِباراتِ الأكابِرِ والفُحُولِ!؛ حَتَّى يَظُنَّ أنَّهُ مَتَى قَلَّدَهُم فِي تَرْدِيدِها فَقَدْ ساواهُمْ فِي مِضْمارِ السِّباقِ!، فَلا تَسْمَعُ إلا الحَدِيثَ فِي أُصُولِ الدِينِ، والنَّظَرَ فِي قَواعِدِه!، والمَعْلُومَ مِن الدِّينِ بالضَّرُورَةِ!؛ والخَفِيَّ والجَلِيَّ!؛ والعُذْرَ بالجَهْلِ!؛ والتَّأوِيلَ!؛ والإكْراهَ!؛ وتَكْفِيرَ المُعَيَّنِ!؛ وَ ... وَ ... ، مِما تَخْشَعُ لَهُ قُلُوبُ أساطِينِ العِلْمِ وتَخْضَعُ لَهُ جَوارِحُهُمْ حَذَرًا مِن الخَوْضِ فِيهِ، لا حَذَرَ الجاهِلِ الغَمْرِ كَما قَدْ يُظَنُّ؛ بلْ حَذَرَ العالِمِ البَصِيرِ الذِي يَحْذَرُ مِن الزَّلَّةِ فِي الكَلَمَةِ والعِبارَةِ يَطُولُ بِها وُقُوفُهُ بَيْنَ يَدِيِ اللهَ تَعالَى!!، والتّساهُلُ فِي مِثْلِ هَذا جَرَّ كَثِيرًا مِن الوَيْلاتِ والنَّكَباتِ، ولَيْسَ يَقِفُ المَرْءُ عَلَى الصراطِ الأوْسَطِ بَيْنَ الإفْراطِ والتّفْرِيطِ إلاَّ بِمَتِينِ العِلْمِ ومَكِينِ الفَهْمِ، ولَئِنْ كانَ الإرْجاءُ مِن ذَمِيمِ البِدَعِ وأَضَرِّها علَى الإسلامِ وأهْلِهِ كَما يُعْرَفُ مِن تارِيحِ هذهِ البِدْعَةِ!؛ فَلَيْسَتْ بِدْعَةُ الخَوارِجِ دُونَها بِحالٍ، إنْ لَمْ تَكُنْ أعْظَمَ مِنْها خَطَرًا، والحَقُّ أن كُلاَّ مِنْهُما أخْطَرُ مِن وَجْهٍ، حَتَّى قالَ مَيْمُونُ بَنُ مِهْران: لَسْتُ أَدْرِي بِأيِّهِما أَنا أشَدُّ فَرَحًا!؛ بِأنْ لَمْ يَجْعَلْنِي مُرْجِئًا؛ أوْ بِأنْ لَمْ يَجْعَلْنِي خارِجِيَّا!، والذِي أَدْعُو إلَيْهِ أَهْلَ العِلْمِ عامَّةً وعُلَماءَ الثُّغُورِ خاصَّةً أنْ يُعَظِّمُوا فِي نُفُوسِ الطَّلَبَةِ شَانَ القَوْلِ علَى اللهِ تعَالَى بَغَيرِ عِلْمٍ؛ وأنْ يَاخُذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ خَشْيَةَ الوُقُوعِ فِي مَزالِقِ الجَهْلِ ومَهاوِي التَّعالُمِ المَقِيتِ، فَإنّنِي لَمْ أَرَ أَضَرَّ بالفَتَى مِن التّطاوُلِ إلَى ما لا يُحْسِنُ!، وإنّما الربانِيُّ مَن رَبّى الناسَ علَى صِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.

مَدِينَةٌ بَلْخ وِلايَةٌ مِن ولاياتِ الشمالِ الأفْغانِي اليَومَ!، وهِي مِن بِلادِ خُراسانَ؛ والنسْبَةُ إلَيْها بَلْخِيٌّ، وبِها مَعادِنُ البِجادِيِّ العَتِيقِ؛ ذكَرَهُ ابنُ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْدَلُسِيُّ فِي العِقْدِ الفَرِيدِ، كَتَبَ اللهُ تعالَى لِي دُخُولَها فِي نَحْوِ سَنَةِ (1421) ؛ ومَكَثْتُ فِيها أَيامًا، وقَدْ عَجِبْتُ لِحالِ الناسِ فِي تِلْكَ المَدِينَةِ التارِيخِيَّةِ العَرِيقَةِ وما فِيهِمْ مِن الجَهْلِ العَظِيمِ بِدِينِ الإسْلامِ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت