فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 34

بِكَثْرَتِهِمْ هَذهِ عائِقًا مِن عَوائِقِ الهُدَى والخَيْرِ، وشَغَلُوا الأكابِرَ عَنْ مُهِمَّاتِ المَقاصِدِ بِقُصُورِ أَنْظارِهِمْ وتَضايُقِ أَفْهامِهِمْ!، فَإنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ أمْثالَهُمْ با طالِبَ العِلْمِ؛ فَسَبِيلُ ذلكَ أنْ تَسْألَهُ عَمَّنْ وَرِثَ عَنْهُ العِلْمَ؛ وتَعْرِفَ مَنْ زَكّاهُ وَصَدَّرَهُ؛ فَإنّكَ لَنْ تَعْدِمَ مُنْصِفًا يَذكُرُ مالَهُ وما عَلَيهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ مُزَكِّيًا ولا شَيْخًا؛ فَذلكَ الذي ذَكَرْتُ لَكَ فاحْذَرْهُ، ثُمَّ لا تَجْعَلْ وُكْدَكَ وَهَمّكَ شَغْلَ نَفْسك بِعَدَاوَتِهِ؛ والتّمَحُّلَ بِتَفْنِيدِ أَقْوالِهِ وَآرائِهِ، فَإنّما سَألْتَ لِتَعْلَمَ حالَهُ فَحَسْبُ، ودُونَكَ سَبيلَ الطلَبِ فانْشَغِلْ بِهِ، فَإنّكَ مَتَى بَلَغْتَ مِنَ العِلْمِ بِوافِرِ جُهْدِكَ ظافِرَ حَظِّكَ؛ أَمْكَنَكَ أنْ تَقِفَ مِن حالِ مَنْ شِئْتَ عَلَى مَنارَةٍ مِنَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ تَعْرِفُ بِها الخَطَأَ مِن الصوابِ؛ وتُمَيِّزُ بَيْنَ ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ، وَدُونَكَ مِن بَعْدُ والمَيْدانَ، وإنّما الخَيْلُ بِفُرْسانِها، واللهُ يَهْدِينا وإياكَ سَواءَ السبيل.

رَأَيْتُ كَثِيرًا مِن الناسِ يَطْلُبُ الصالِحَ مِن الوَلَدِ؛ وهُوَ لا يَبْذُلُ فٍي صَلاحِهِ ما يَجِبُ علَيْهِ مِن الأسْبابِ، فَتَأمَّلْتُ ذلكَ؛ فَإذا هُوَ مِن مُخَادَعَةِ النَّفْسِ؛ والهَوَى الخَفِيِّ!، فَإنَّ كَثِيرًا مِن الناسِ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللهِ تَشْغَلُهُ عن ذلكَ وتَصْرِفُهُ عَنْه!، وما أَنْصَفَ نَفْسَهُ والله، ولَو فَعَلَ لَعَلِمَ أَنَّ ولَدَهُ أَولَى الناسِ بِهِ؛ وفِي التَنْزِيلِ العَزِيزِ {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًَا} ، والوَلَدُ الصالِحُ نِعْمَةٌ كُبْرَى وعَمَلٌ لا يَنْقَطِعُ بَعْدَ المَوْتِ؛ فَتَراهُ مِن هَذا الوَجْهِ قَدْ أُجْرِيَ مَجْرَى عَمَلِ الشهِيدِ الذِي لا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لأنّهُ لَما كانَ ما بَذَلَهُ غايَةَ ما يَمْلِكُ وهُو دَمُهُ؛ كُوفِئَ بِغايَةِ الأجْرِ والثَّوابِ!، وبَيْنَ دَمِ الشهِيدِ والوَلَدِ الصالِحِ بَعْضُ مُناسَبَةٍ أَيْضًا؛ فَإنَّ الولَدَ مِن دَمِ أبَيهِ وبَضْعَةٌ مِنْه!، ولِذا كانَ الوَلَدُ الصالِحُ مِما يَجْرِي أجْرُهُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ شاءَ رَبُّكَ تَعالَى، وهِيَ نُكْتَةٌ لَمْ أَرَها لأَحَدٍ مِن قَبْلُ؛ والحَمْدُ للهِ عَلى تَوفِيقِه، عَلَى أنَّ الإخْلاصَ الحامِلَ علَى الصدْقِ فِي العَمَلِ هُوَ رَأسُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وتَأمَّلْ كَيْفَ كانَ إخْلاصُ امْرَأَةٍ بِقَوْلِها: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًَا} سَبَبًا لِنَفْعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ!!، فَإنَّها امْرَأةُ عِمْرانَ، والتِي وَضَعَتْها هِيَ: مَرْيمُ أُمُّ عِيسَى صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْه، وَقَدْ بَشَّرَ النِبيُّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمِ بِنُزُوِلِهِ حَكَما مُقْسِطًا بِشَرِيعَةِ الإسلامِ!، وفِيما ذَكَرْناهُ عَزاءٌ لِمَنْ ابْتِلِيَ بالبَناتِ، فالإخْلاصَ الإخْلاصَ.

لَزُومُ السنَّةِ وإحْياءُها مِن أَجَلِّ الطاعاتِ وأفْضَلِ القُرُباتِ، لكنْ لا بُدَّ كَذلكَ مِن اتِّباعِ السنَّةِ فِي العَمَلِ بالسُّنَّةِ، ومِنْ هَذَا أَنَّ العَمَلَ بِها إِنْ أَفْضَى إلَى فَواتِ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمَ مِنْها كانَ تَرْكُها واجِبًا، نَعَمْ؛ ورُبُّما أَلِفَ الناسُ خِلافَها!؛ فَتُتْرَكُ إنْ خِيفَ مِن فِعْلِها مَفْسَدَةٌ أكْبَرُ مِن مَفْسَدَةِ تَرْكِها، ومُراعاةُ أَحْوالِ الناسِ فِي هَذا مِن الفِقْهِ فِي الدّينِ، وتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ البَدْءُ بِإزالَةِ ما خالَفَ الناسُ فِيهِ السُّنَّةَ وألِفُوهُ، ورَأَيْتُ لابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي المُحَلّى التّنْبِيهَ علَى مُراعاةِ أحْوالِ الجُهَّالِ مِن الناسِ فِي مَوْضَعِينِ؛ فَمِن ذلكَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الاعْتِدادِ بالركْعَةِ لِمَنْ أدْرَكَ الركُوعَ وإن كانَ الصوابُ خِلافَهُ: مَسْأَلَةٌ: فَإنْ جَاءَ وَالإِمَامُ رِاكِعٌ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ؛ وَلاَ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرّكْعَةِ، لأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ القِيَامَ وَلاَ القِرَاءَةَ، وَلَكِنْ يَقْضِيهَا إِذَا سَلّمَ الإِمَامُ، فَإِنْ خَافَ جَاهِلًا فَلْيَتَأَنَّ حَتى يَرْفَعَ الإِمَامُ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَيُكَبِّرَُ حِينَئِذٍ. انْتَهى. وللْعُلَماءِ رَحِمَهُمُ اللهُ كَلامٌ كَثِيرٌ فِي مِثْلِ هَذا، ولَيْسَ هَذا هَجْرًا للسُّنَّةِ كَما ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، فَإنَّ هَجْرَ السنَّةِ يَعْنِي تَرْكَها وإهْمالَ العَمَلِ بِها لِعُذْرٍ ولِغَيرِ عُذْرٍ، بَلْ تَرْكُها هُنا إنّما هُو لَتَحْصِيلِ ما هُو أَعْظُمُ؛ فَهُو راجِعٌ إلَى قاعِدَةِ تَدافُعِ المَصْلَحَتِينِ التِي هِيَ مِن أعْظَمِ قَواعِدِ الشرْعِ، وفِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت