فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 34

تَرْكِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ القَصْرَ وراءَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَذرا مِنَ الخِلافِ دلَيلٌ لَما ذكَرْناه، وهكذا كانَ يَصْنَعُ ابنُ عُمَرَ؛ حَتّى كانَ يُصلِّيها مَعَهُ أرْبَعًا؛ فَإذا عادَ إلَى رَحْلِهِ صَلاها رَكْعَتَينِ!؛ وَلَعَلَّهُ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرزاقِ أو غَيرِهِ كما ذكَرَ ابنُ حَزمٍ رَحِمَهُ الله، ومِنْ هَذا البابِ تَرْكُ رَفْعِ اليَدَينِ إنِ اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ ذلكَ؛ وقَدْ عَمِلَ بَهَذا بَعْضُ الأئمّةِ كما نُبَيِّنُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ إن شاءَ الله.

ومِما أَذكُرُهُ للعِبْرَةِ ما أَعْلَمُهُ عَن صاحِبٍ لَنا قَبْلَ نَحْوِ رُبُعِ قَرْنٍ من الزمانِ وكانَ رَحِمَهُ داعِيَةً وَخَطِيبًا مُحِبا للسنَّةِ والعَمَلِ بِها، لكِنَّهُ لا يُراعِي ما ذكَرْناهُ لكَ فِي هَذا البابِ، فَكانَ إذا أَتَى المَسَاجِدَ المُفْرُوشَةَ بِالفاخِرِ مِن البُسُطِ والزّرابِيِّ صَلَّى بِنَعْلَيْهِ!؛ ويَقُولُ للناسِ إنّهُ نَظَرَ فِيهِما قَبْلَ الصلاةِ فَلَمْ يَرَ فِيهما قَذَىً ولا أَذى ولا نَجاسَةً، فَجَلَبَ صَنِيعُهُ هَذا من الناسِ نُفُورًا وَإعْراضًا وهُمْ يَكادُونَ يَتَمَيَّزُونَ مِن الغَيظِ كُلَّما رَأَوْهُ؛ ومعَ ذلكَ فَلا يَكُفُّ ولا يَرْعَوِي!، وهَذا وأمْثالُهُ مِن الجَهْلِ بالدِّينِ، فَإنَّهُ يَدُلُّكَ علَى أَنَّ العِلْمَ بالدِّينِ شَيءٌ؛ والفِقْهَ فِيهِ شَيءٌ آخَرُ!، وكَمْ رَأَيْنا علَى هَذا المِنْوالِ ما جَرَّ كَثِيرًا من المَفاسِدِ، مِما يَتَعَيَّنُ مَعَهُ العِنايَةُ بِفِقْهِ الدَّعْوةِ إلَى اللهِ، فَلَوْ أُضِيفَتْ إلَى المادَّةِ الدراسِيَّةِ فِي المَعاهِدِ والكُلِّيّاتِ العِلْمِيَّةِ مَادَّةٌ خاصَّةٌ فِي فِقْهِ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ وآدَابِها؛ واعْتُنِي فِيها بالإكْثارِ مِن ضَرْبِ الأمْثِلَةِ علَى ذلك؛ مَعَ تَخْصِيصِ عامٍ دِراسِيِّ قَبْلَ التَّخَرُّجِ لتَدْرِيبِ الطُّلاّبِ عَمَلِيًّا علَى ذلكَ؛ كَما هُوَ الحالُ فِي دِراسَةِ الطِّبِّ مَثَلًا؛ لكانَ نَفْعُ ذلكَ بالِغًا، وللهِ عاقِبَةُ الأُمُور.

وفِي صَنِيعِ صاحِبِنا كَثِيرٌ مِن المَفاسِد:

مِنْها: تَنْفَيرُ الناسِ مِن السنَّةِ كما ذَكَرْناه.

ومِنْها: تَعْرِيضُ الفُرُشِ للتَّلَفِ وذلكَ مِن أموالِ المُسْلِمين.

ومِنْها: أنَّ الناسَ إِذا رَأوُا الفُرُشَ مُتّسِخَةً بِذلكَ رُبَّما نَفَرُوا مِن الصلاةِ فِي المَساجدِ جُمْلَةً واحدَة.

ومِنْها: أنَّ العامَّةَ لَو قَلَّدُوهُ لَمْ يُراعُوا ما يُراعِيهِ هُوَ مِن طَهارَةِ النّعْلَيْنِ فَيتَنَجَّسُ المَسْجِدُ؛ ولَيْسَ شَأنُ البُسُطِ والفُرُشِ كَشانِ التُرابِ والحَصَى، فَيَلْحَقُ الناسَ فِي تَطْهِيرِ هَذهِ البُسُطِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وإِنَّما الفِقْهُ فِي هَذا دَعْوَةُ الناسِ إلَى التِزامِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ فِي بِناءِ المَساجِدِ، وتَرْكِ المُغالاةِ فِي بِنائِها وفَرْشِها، والاكْتِفاءِ بالتُّرابِ والحَصَى، وذلكَ أَدْعَى للعِبادَةِ والخُشُوعِ فِيها، فَإنَّهُمْ لَو فَعَلُوهُ كانَتِ الصلاةُ بالنعْلَيْنِ فِيها خَلِيَّةً عَما ذُكِرَ مِن المَفاسِد، ورَحِمَ اللهُ مَن قالَ: ما عُمِلَتْ بِدْعَةٌ إلا وتُرِكِتْ بِها سُنَّةٌ هِيَ خَيرٌ مِنها. والله أعْلَم.

الحَياةُ علَى تَعَدُّدِ جَوانِبِها وِحْدَةٌ واحِدَةٌ لا تَتَجَزّأُ، وما كِتابَةُ التارِيخِ إلا إِعادَةً لِصُورَةِ تِلْكَ الحَياةِ مِن جَدِيدِ، ألا تَراهُمْ يَقُولُون: التارِيخُ مَعادٌ ثَانٍ!. فَمِنَ الإجْحافِ بِوِحْدَةِ الحَياةِ أَنْ يُكْتَبَ التارِيخُ مُتَفَرِّقًا مُقَطَّعَ الأَوْصالِ، ولَسْنا نَلُومُ المُؤَرِّخِينَ فِي ذلكَ؛ فَإنَّ تَرَاكُمَ العُلُومِ والمَعارِفِ وكَثَرَةَ تَفارِيعِها حَمَلَهُمْ علَيْهِ، إذْ يَشُقُّ علَى المُؤَرِّخِ عادَةً أنْ يَأتِيَ فِي مَسْرَدٍ واحِدٍ بِكُلِّ ما تَنْتَظِمُهُ الحَياةُ مِن جَوانِبَ عِلْمِيّةِ؛ وَثَقافِيَّةٍ؛ وتَرْبَوِيَّةٍ؛ وسياسِيَّةٍ؛ واجْتِماعِيّةٍ؛ وعِسكَرِيَّةٍ؛ إِضافَةً إلَى أسالِيبِ العَيْشِ وتَجَدُّدِها بَيْنَ حِينٍ وآخَرَ؛ وما يَعْتَرِيها مِن عَقَباتٍ ومُغامَراتٍ!، وكُلُّ ذلكَ جُزْءٌ مِن التارِيخِ، وإنَّما نُرِيدُ بِهَذَا أنْ نُنَبِّهَ مَنْ يَقْرَأُ التارِيخَ لَيَخْلُصُ مِنْهُ إلَى حُكْمٍ يَرْتَضِيهِ؛ علَى خَطَأِ مَن يَبْنِي حُكْمَهُ عَلَى قِراءَةِ بَعْضِ جَوانِبِهِ فَحَسْبُ، فَكَيفَ إِذا بَنَى علَى ذلكَ حُكْما عامّا علَى تارِيخِ أُمَّةٍ بِأَسْرِهِ!، وقَدْ قِيلَ: إنّ الفَضِيلَةَ لا يَرْوِيها التارِيخُ!؛ وأفاضِلُ الناسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت