إذا كانَتِ الأُمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الجَسَدِ الواحِدِ؛ فَإنّ لِكُلِّ عُضْوٍ مَنْفَعَةً تُناسِبُهُ، والعُلَماءُ حِينَئِذٍ مِن الأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الدِّماغِ مِن الجَسَدِ، ويَتَفَرَّعُ عَنْ ذلكَ أنَّ تَرْبِيَةَ العُقُولِ ضَمانٌ لِقِيامِ الأَعْضاءِ بِوظائِفِها علَى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولا يَكُونُ ذلكَ إلاّ بِتَرْبِيَةِ الطَلَبَةِ علَى العِنايَةِ بِالكُلِّياتِ التِي يَصْلُحُ بِصَلاحِها كَثِيرٌ مِن الجُزْئياتِ، والعُقُولُ التِي تُحْسِنُ التَّدْبِيرَ وتَضطَلِعُ بِالكَبِيرِ المُهِمِّ مِنَ الأَمْرِ؛ هِيَ التِي يُحْتاجُ إلَى مِثْلِها فِي بِناءِ الأُمَمِ وصَلاحِ أَحْوالِها.
أَمّا تَعْوِيدُ صِغارِ الطّلَبَةِ علَى الاهْتِمامِ بالجُزْئِياتِ دُونَ الكُلِّيّاتِ!، وبالفُرُوعِ دُونَ الأُصُولِ - وأُرِيدُ هُنا المَعْنَى اللغَوِيَّ لا الاصْطِلاحِي - فَمِنْ شَانِهِ أنْ يَصْرِفَ العِنايَةَ عَنِ الأَهَمِّ إلَى ما هُوَ دُونَهُ!، وأَنْ يُضَيِّقَ العُقُولَ ويَحْصُرَ الأَفْهامَ فِيما اعْتادَتْهُ، فَإذا طالَ عَلَيْها الأَمَدُ وهِيَ عَلَى حالِها هَذا لَمْ تَعُدْ قابِلَةً لِشَيءٍ سِواهُ؛ بَلْ ولا تَقْدِرُ علَى ذلكَ أَصْلًا!، كَمَنْ لَفَّ جِذْعَ نَخْلَةٍ أوْ عُضْوًا مِن أعْضاءِ الجَسَدِ بِحَبْلٍ مَتِينٍ؛ ثُمَّ تَرَكَهُ يَنْمُوا علَى هَذا!، فَإنَّهُ إِذا اشْتَدَّ ورَامَ أنْ يُقَوِّمَهُ لَمْ يَتَقَوَّمْ!.
ويُمْكِنُكَ أنْ تَجْعَلَ صَنِيعَ المُقَلَّدِينَ - بِفَتْحِ اللاّمِ - فِي الحَجْرِ علَى عُقُولِ مُقَلِّدِيهِمْ مِثالًا لِهَذا، ومِثْلُهُ ما يَصْنَعُهُ بَعْضُ أَصْحابِنا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ مِن شَغْلِ الصِّغارِ والمُبْتَدِئِينَ مِن الطّلَبَةِ بالمَسائلِ التِي أَعْيَتِ الأكابِرَ والفُحُولَ مِنَ الأَئمَّةِ، ولَمْ يَزَلِ الخِلافُ فِيها قَائمًا بَيْنَهُمْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ؛ وهِيَ مِن المَسائلِ التِي يَسُوغُ فِيها الخِلافُ بَينَ العُلَماء، وتَهْيِيجِهِمْ علَى المُخالِفِ فِيها!، حَتّى يَنْشأَ الطالِبُ ولا شُغْلَ لَهُ سِواها!، ولَيْسَ المَقْصُودُ إغْلاقَ بابِ الكَلامِ فِيها جُمْلَةً واحِدَةً، بَلِ المَقْصُودُ أنْ لا نَجْعَلَها نِهايَةَ المَطْلُوبِ وغايَةَ المُرادِ، لأنّ مَن رُبِّيَ علَى سَعَةِ العَقْلِ ورَحابَةِ الفِكْرِ والعِنايَةِ بالكُلِّياتِ؛ سَهُلَ عَلَيهِ العِنايَةُ بِما تَنْتَظِمُهُ مِن الجُزْئِِيّاتِ، ولَيْسَ ذلكَ مُمْكِنًا مَعَ العَكْسِ، واللهُ الهادِي إلَى سَواءِ السبيل.
أَرْكانُ نَهْضَةِ الأُمَمِ ثَلاثٌ، عِلْمٌ؛ ورِجالٌ؛ ومالٌ، والأُمَّةُ المُسْلِمَةُ لَمّا اخْتِيرَتْ لأُسْتاذِيَّةِ الأُمَمِ وَرِيادَتِها؛ كانَ مِن لاَزِمِ ذلكَ أنْ تَكُونَ عَوامِلُ نَهْضَتِها فِي حَرَكَةٍ دَؤُوبٍ؛ لأَنّ أَيَّ تَعْطِيلٍ أوْ نَقْصٍ فِي شَيْءٍ مِن هَذه العَوامِلِ يُفْضِي إلَى اخْتِلالٍ لاَ فِي صُفُوفِ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ وحَدَها، بَلْ فِي العالَمِ كُلِّهِ!؛ كَما نُبَيِّنُهُ مُفَصَّلًا فِي غَيْرِ هَذا المَوْضِع.
ولَقَدْ كانَ مِنْ مُقْتَضَياتِ خُطَّةِ إِضْعافِ العالَمِ الإسْلامِيِّ العَمَلُ علَى ضَعْضَعَةِ الرُّكْنِ الثانِي مِن أَرْكانِ نَهْضَتِهِ بِوَسائِلَ شَتَّى؛ ومِنْها: تَقْلِيلُ الإِنْسالِ؛ أو: تَحْدِيدُ النّسْلِ!؛ كَما يُقال!، والناسُ مِن طَبْعِها أنْ تَغْفُلَ عَن المَقاصِدِ السوءِ دائِمًا!؛ وقَلَّ أنْ يَتَفَطَّنَ لِذلكَ إلاّ أفْذاذٌ مِن الرجالِ، لأّنَّ مَن يَسْعَى فِي كَيْدٍ يَتَّخِذُ لَهُ ظَهارَةً تَسْحَرُ الأَعْيُنَ ويَكُونُ المَكْرُ بِطانَةً لَها!، فَلا يَقْدِرُ عَلَى النُّفُوذِ مِنَ الظَّهارَةَ إلَى ما وَراءَها إِلاَّ القَوِيُّ مِن البَصائِرُ؛ دُونَ الضعِيفِ مِنْها وهُوَ الغالِبُ علَيْها!، وهَذا - أعْنِي: قُوَّةَ البَصِيرَة - داخِلٌ فِي العِلْمِ الذِي أَشَرْنا إلَيْهِ؛ فَإنّنا نُرِيدُ بِهِ المَعْنَى الأعَمَّ الذي يَشْمَلُ كُلَّ عِلْمٍ نافِعٍ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَدْ رَدَّدَ الناسُ كَثِيرًا ما لُقِّنُوهُ مِن عِلَلِ خُطَّةِ (وَادِ الأُمَّةِ) ! هَذهِ؛ التِي يُسَمُّونَها تَحْدِيدَ النَّسْلِ!؛ وسَمِعْتُ مَنْ يَذكُرُ مِن الأساتِذَةِ والمُرَبِّينَ أَنَّ فِي ذلكَ عَوْنًا للآباءِ علَى تَرْبِيَةِ الأبْناء!، فَقُلْتُ مُعَلِّقًا علَى هَذا: لَو كانَ هَذا صَحِيحًا مِن وَجْهٍ؛ فَإنَّهُ خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ!، ذلكَ أنَّ الجُهْدَ الذِي يَبْذلُهُ المُرَبِّي مَعَ الواحِدِ والاثْنَيْنِ أوْ مَعَ العَشْرِ جُهْدٌ واحِدٌ ولا فَرْقَ!،