فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 34

لَيْسَ عَبَثًا أنْ سَمَّى الناسُ الطِبَّ (حِكْمَةً) ، لأَنَّ الحِكْمَةَ مِنْها ما هُوَ عِلْمِيٌّ ومِنْها ما هُوَ عَمَلِيُّ، والعَمَلِيُّ مِنْها ما حَصَلَ عَنْ تَكْرارِ التَّجْربِةِ والمُشاهَدَةِ، والطّبُّ فَنُّ شَرِيف؛ بَلْ هُو أشْرَفُ فُنُونِ العِلْمِ بَعْدِ عُلُومِ الشَّرْعِ باتِّفاقٍ، والمَعاصِرُونَ يَقُولُون: الطبُّ عِلْمٌ وفِنّ؛ فَهُو عِلْمٌ لأنّهُ مَعارِفٌ مُكْتَسَبَةٌ مَبْنِيَّةٌ علَى المُدارِسَةِ ودِقَّةِ المُلاحَظَةِ والتجْرِبةِ؛ فَتُسْتَنْبطُ مِن ذلكَ أُصُولُهُ وقَواعِدُه، وهُو فَنُّ لاعْتِمادِهِ علَى تَطْبِيقِ كُلِّياتِهِ ومَعارِفِهِ علَى المُحْتاجِ إلَيْهِ فِي أحْوالٍ مُخْتَلِفَة.

وكانَ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ بالشْرِعِ يَحْرِصُونَ علَى تَعَلُّمِهِ ولا يُخْلُونَ أوْعِيتَهُمْ مِنْه، ومِن هَؤلاء:

أَبُو العَبّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمّدٍ بنُ مُفَرِّجٍ الأَنْدَلُسِيُّ النَّبَاتِي؛ نِسْبَةً إِلَى حَشَائِشِ الطّبّ، رَحَلَ فِي طَلَبِ العِلْمِ؛ وسَمِعَ ابنَ زَرْقُونَ، وَلَقِيَهُ ابنُ نُقْطَةَ وَغَيرُهُ، وكانَ مَجْمُوعَ الفَضَائِلِ!، وَيُقَالُ لَهُ النّبَاتِيُّ، وَالعَشَّابُ، وَكَانَ غَايَةً فِِي مَعْرِفَةِ النّبَاتِ.

وَأَبُو المُؤَيّدِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمّدٍ الحِلِّيُّ العَنْتَرِيُّ؛ جَمَعَ بَينَ الأدَبِ والطبِّ والفَضائلِ.

وَمُحَمّدُ بنُ الحَسَنِ المَذْحِجِيُّ؛ ابْنُ الكِتّانِيِّ الأنْدَلُسِيُّ القُرْطُبِيّ، مِن شُيوخِ ابنِ حَزم؛ قرأَ عَلَيْهِ المَنْطِقَ، وهُوَ أَدِيبٌ شَاعِرٌ، طَبِيبٌ لَهُ فِي الطبِّ رَسَائِل.

وأبُو عُمَرَ أحْمَدُ بنُ يَحْيَى بنِ سُمَيق الدّمَشْقِيُّ القُرْطُبِيُّ؛ ولِيَ القَضاءَ فِي (طَلْبِيرة) مِن الأَنْدُلُس؛ وعُرِفَ بالعَدْلِ وحُسنِ السيرَةِ فِيه، عُنِيَ بِالحَدِيثِ وَكَتْبِهِ وَسَمَاعِهِ وَرِوَايَتِهِ وَجَمْعِهِ، وَنَظَرَ فِي الطّبِّ وَطالَعَ مِنْهُ كَثِيرًا وُعُنِيَ بِهِ

وَأبو القاسم خَلَفُ بنُ عَباسٍّ الزْهْراوِي؛ كانَ مِن أهْلِ الفَضْلِ والدينِ والعِلم، ماتَ بَعْدَ الأرْبَعِمائةِ؛ وهُوَ مِن شُيُوخِ ابنِ سُمَيْق، ولَهُ فِي عِلْمِ الطّبّ شَاوٌ لا يُلْحَق!، وصَنَّفَ فِيهِ (التصْرِيف لِمن عَجِزَ عن التّألِيف) ، ذكَرَهُ ابنُ حَزْمٍ وأثْنَى عَلِيه؛ وقال: وَلَئِنْ قُلْنَا إِنّهُ لَمْ يُؤَلّفْ فِي الطّبِّ أَجْمَعُ مِنْهُ للقَوْلِ وَالعَمَلِ فِي الطّبائِعِ لَنَصْدُقَنّ. انتهى.

ومِثْلُ هَؤلاءِ كَثِيرٌ لا يَجْمَعُهُمْ إلاّ كِتابٌ حافِلٌ، وقَدْ صَنَّفَ فِي طَبَقاتِ الأطباءِ جَماعَةٌ؛ كأَبِي العَباسِ بنِ أبِي أُصَيْبِعَة الطبِيبِ المُؤرِّخِ، وأَبِي داودَ سُلَيمانَ بِن حسانٍ الأَنْدَلُسِيّ؛ الطبيبِ المُؤرخِ كذلكَ، وغَيرِهم.

وما إقْبالُ هَؤلاءِ العُلَماءِ وغَيرِهِمْ عَلَى هذا الفَنِّ إلاّ دَلِيلَ شَرَفِهِ وعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ، ومِن العَجَبِ أنّ هَذا الفَنَّ فِي القَدِيمِ لَمْ يَزَلْ مَضْنُونًا بِهِ علَى غَيرِ أهْلِهِ - كما فِي كَشْفِ الظنونِ - خَشْيَةَ أنْ يَتَعَلَّمَهُ مَن يَتَّخِذُهُ وسِيلَةً لِجَمْعِ المالِ ويَمْنَعُ مِنْهُ المُحْتاجِينَ إلَيهِ!، وكانَ يُؤْخَذُ العَهْدُ علَى مَن تَعلَّمَهُ أنْ لا يَبْخَلَ بِهِ علَى ذِي ضَرُورَةٍ أو حاجَةً؛ وهَذا هُو أَصْلُ القَسَمِ الذي يَحْلِفُهُ المُتَخَرِّجُ مِن كُلِّيَّاتِ الطبِّ الجامِعِيَّةِ، والله أعْلَم.

ثمَّ لَمّا ابْتُذِلَ صارَ وٍسِيلَةً لِطَلَبِ الدُّنْيا! - كَشْأنِ غَيْرِهِ مِن العُلُومِ -؛ وكَأَنَّ فِي قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ: (مَا أَنْزَلَ اللهُ داءَ؛ إِلاّ قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً؛ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) إشَارَةً لِما ذكَرْناهُ، فَإِنّهُ لَما سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعالَى أَنَّ حالَ الناسِ فِي هَذا يصَيرُ إلَى ما صارَ إلَيهِ؛ ويَنْضافُ إلَى ذلكَ تَسُلُّطُ الأُمَمِ الكافِرَةِ علَى أَهْلِ الإسلامِ!؛ فَيَكُونُ مِن ثِمارِ ذلكَ الفَقْرُ والمَرَض!؛ حَتَّى إِنَّنا نَرَى الدُّولَ والأُمَمَ التِي تَعَرَّضَتْ للغَزْوِ الصلِيبِيِّ وقَدْ أُنْهِكَتْ قُواها، وعَمَّ الجَهْلُ أَنحاءَها وغَزاها، ولا أَدَلَّ علَى ذلكَ مِن المَقارَنَةِ بَينَ حالِ الدُّوَلِ الصِّناعِيَّةِ؛ والدُّولِ النامِيَةِ فِي هَذا العِلْمِ مَعَ حاجَةِ الناسِ إلَيه!؛ فَفِي أُسْتُراليا وكَندا وأمريكا واليابانِ وأكْثَرِ دُولِ أورُوبا تُوجَدُ الرعايَةُ الصحِيَّةُ العالِيةِ؛ حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ الأَطِباءِ فِي بَعْضِها إلَى طَبِيبٍ واحِدٍ لِكُلِّ (450) شَخْصًا، بَيْنَما فِي كَثِيرٍ من دُوَلِ أفْرِيقيا وآسيا يُوجَدُ طَبِيبُ واحِدٌ لكُلِّ عِشْرِينَ إلى سِتِّينَ ألْفًا مِن البَشَرِ!، وفِي العالَمِ الإسْلامِيَّ تَرَى فِي كَثِيرٍ مِن البلادِ قِلَّةً فِي الأطِبّاء؛ إلَى أنْ يَصِلُ الأَمْرُ إلَى عَشَرَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت