مَحاسِنِ الأَخْلاقِ، فَإنَّما العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ؛ وإِنَّما الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الحِكَمِ: حَضانَةُ العِلْمِ عِشْرُونَ؛ وحَضانَةُ الأَخْلاقِ أَرْبَعُونَ.
مَثَلُ العِلْمِ والجَهْلِ فِيما أَوْدَعَهُ اللهُ تَعالَى فِي الكَوْنِ مَثَلُ أيّامِ الشَّهْرِ!؛ فَما كانَ مِنْها الثَلاثَ المُحاقَ - (وهِي ثَلاثُ لَيالٍ آخِرَ الشهْرِ) - فَذلكَ مَثَلُ الجَهْلِ!، وبَعْدَهُنَّ ثَلاثٌ دَآدِيٌّ؛ وهِي التِي يُسْرِعُ الهِلالُ فِيها إلَى الغُيوبِ، وذلكَ مَثَلُ مِنْ حازَ مِن العِلْمَ شِبْرًا أوْ بَعْضَ شِبْرٍ!؛ إنّما يُضِيءُ لَهُ بَعْضَ إضاءَةٍ لِيُواصِلَ الطّرِيقَ!؛ لكِنَّهُ مَتى جاوَزَ ذلكَ القَدْرَ وقَعَ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ!، فَإنْ أَخَذَ نَفْسَهُ بالعَزِيمَةِ والمُثابَرَةِ لَمْ يَزَلْ حالُهُ فِي نَماءٍ وارْتِقاءٍ حَتَى يَتِمَّ بَدْرُ تَمامِهِ، وتُقْبِلَ بالسَّعْدِ عُفْرُ لَيالِيهِ - (وهِيَ البِيضُ المُقْمِرَةُ) - وشُمُوسُ أَيامِهِ؛ فَإنَّهُ مَتَى صارَ إلَى ذلكَ انجابَتْ مِن حَولِهِ سُحُبُ الجاهَالاَتِ وَوَلَّتْ فُلُولُ الشُّبُهاتِ، ولَيْسَتِ العُفْرُ كَالَّدّآدِيِّ؛ فَافْهَم.
واعْلَمْ أنَّ جِماعَ العِلْمِ فِي أَمْرَيْنِ؛ حَافِظَةٍ تُحِيطُ بِأُصُولِ مَسائِلِهِ؛ وتَجْمَعُ شَتاتَ ما تَفَرَّقَ مِن فَوائِدِه، وَفَهْمٍ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ ذلكَ كُلِّهِ؛ ويَرُدُّ بِهِ الفَرْعَ إلَى أَصْلِهِ ويُلْحِقُ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ، وكِلاَ الأَمْرَينِ يَتَفاوَتُ الناسُ فِيهِ؛ ولَيْسُوا علَى رُتْبَةٍ واحِدَةٍ!؛ وفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ علَيمٍ، وقَدْ قالَ تَعالَى عَنْ يُوسَفَ علَيهِ السلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} ؛ وهُوُ عامٌّ فِي المُحْسِنِينَ؛ وفِي كُلِّ أَنْواعِ الإحْسانِ، ومِنَ الإحْسانِ فِي طَلَبِ العِلْمِ أَنْ يَتَدَرَّجَ فِي طَلَبِ كَمالِهِ؛ وأَنْ يُقِدِّمَ صِغارَهُ قَبْلَ كِبارِهِ، وتِلْكَ سُنَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي طَلَبِهِ تَتَّفِقُ مَعَ السُّنَّةِ القَدَرِيَّةِ فِيهِ، كَما هُوَ شَانُ الأسْبابِ فِي الدُّنْيا؛ و {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} ، وفِي قَولِهِ سُبْحانَهُ: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} ؛ دَلِيلٌ لِهَذا، وأنَّ ما قُدِّرَ للمَرْءِ مِن كَمالِ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ يَقَعُ عِنْدَ الأرْبَعِين، وفِي التَحْرِيرِ والتَنْوير: وَلَيْسَ الأَشُدُّ اسْمًا لِعَدَدٍ مِنْ سِنِيِّ العُمُرِ؛ وَإِنّمَا سِنِيُّ العُمُرِ مَظِنَّةٌ للأَشُدّ، وَوَقْتُهُ مَا بَعْدَ الثّلاَثِينَ سَنَةً؛ وَتَمَامُهُ عِنْدَ الأَرْبَعِينَ سَنَةً. انْتَهى.
ومِما فِيهِ عِظَةٌ للطالِبِ ما ذكَرَهُ القاضِي أبُو الحَسَنِ علَيُّ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ حَبِيبٍ الماوَرْدِيُّ الشافِعِيُّ العَلاّمَةُ الفَقِيهُ الكَبِيرُ؛ مُصَنِّفُ الحاوِي وغَيْرِهِ مِن دَواوِينِ العِلْمِ؛ قال: ومِما أُنْذرُكَ بِه من حالِي؛ أَنّنِي صنفْتُ فِي البُيُوعِ كِتابَاَ؛ جَمعْتُ لَهُ ما اسْتَطَعْتُ مِن كُتُبِ الناسِ؛ وَأَجْهَدْتُ فِيهِ نَفْسِي؛ وَكَدَّرْتُ فِيهِ خاطَرِي؛ حَتَّى تَهَذّبَ واسْتَكْمَل؛ وكِدْتُ أُعْجَبُ بِهِ؛ وتَصوّرْتُ أَنّي أَشَدُّ الناسِ اضْطِلاعًا بِعِلْمِهِ!؛ فَحَضَرَنِي أَعْرابِيانِ؛ فَسألانِي عنْ بَيْعٍ عَقَداهُ بالبادِيَةِ عَلَى شُرُوطٍ تَضَمّنَتْ أرْبَعَ مَسائِلَ لَمْ أَعْرِفْ لِشَيءٍ مِنهَا جَوابًا!؛ فَأطْرَقْتُ مُفَكِّرًا ولِحالِي مُعْتَبِرًا، فقالاَ: ما عِنْدَكَ لَهُ جَوابٌ؛ وأَنْتُ زَعِيمُ هَذِهِ الطائِفَةِ؟!، قُلْتُ: لا، فقالاَ: إِيهًا لك!، وانصرفا فسَألاَ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ فِي العِلْمِ كَثيرٌ مِن أصحابِي؛ فَسَألاَهُ؛ فَأجابَهُما مُسْرِعًا!، فانْصَرَفا رَاضِيَيْنِ بِجَوابِهِ حامِدَيْنِ لِعِلْمِهِ، فَبَقِيتُ مُرْتَبِكًا!؛ فَكانَ ذلكَ زاجِرَ نَصِيحَةٍ؛ ونَذِيرَ عِظَةٍ!!. انْتَهى.