وأَقُولُ الآنَ تَعْلِيقًا عَلَيه: يُقالُ فِي تَعْرِيفِ الدَّوْلَةِ: إنَّها سِلْمٌ فِي الداخِلِ اسْتِعْدادًا للحَرْبِ فِي الخارِجِ، وتِلكَ بِلادٌ قامَتْ علَى هَذه القاعِدَةِ التِي هِيَ سُنَّةٌ مِن السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ فِي الحَياةِ، فَإنّ الأُمَمَ الضّعِيفَةَ المَغْلُوبَ علَى أمْرِها تَبْقَى مَغْمَزًا للطامِعِين؛ وتَتَسَلَّطُ علَيْها الأُمَمُ الأُخْرى فَلا يُثْمِرُ تَسَلُّطُها إِلاَّ الفَقْرَ والجَهْلَ والمَرَضَ!؛ كَما هُوَ الحالُ فِي بِلادِ الإسْلامِ، فَمَنْ أَصْبَحَ وهُوَ لا يَجِدُ قُوتَ يَومِهِ؛ ولا يَمْلِكُ ما يُنْفِقُهُ علَى عِلاجِ مَرِيضِهِ؛ ولا علَى تَعْلِيمِ وَلَدِهِ؛ ولا حاجاتِ زَوجِهِ وبَيْتِهِ، ومَعَ ذلكَ فَقَدْ تَسَلَّطَ علَيْهِ الظَلَمَةُ بِأنْواعِ الضرائِبِ والمُكُوسِ التِي لا حَصْرَ لَها؛ ولا حَدَّ تَقِفُ عِنْدَهُ وتَنْتَهِي إلَيْهِ؛ وَهُمْ يَسُومُونَهُ العُدْوانَ علَى كُلِّ حَقٍّ لَهُ، وهُو لا يَخْرُجُ مِن هَمٍّ حَتَى يَلِجَ فِي آخَرَ!، فَمِثْلُ هَذا؛ ما عَساهُ يَصْنَعُ بالقِراءَةِ والمُطالَعَةِ، وهَلْ يَدْفَعُ ذلكَ عَنْهُ مَخْمَصَةً أوْ يَمْنَعُ داءً؟.
ومَنْ ظَنَّ أنّ دَعْوَةَ الإسْلامِ خارِجَةٌ عنِ الأسْبابِ الكَونِيَّةِ التِي تُبْنَى علَيْها الأُمَمُ والدُّولُ فَقَدْ أَهْلَكَ الناسَ وأَتَى بِما لا طاقَةَ لَهُمْ بِهِ؛ ولا بَقاءَ مَعَهُ لأُمَّةٍ ولا دَولَة، بلْ شَرْعُ اللهِ تعاَلَى كُلُّهُ قائمٌ علَى تَمامِ المُوافَقَةِ بَينَ الشرْعِ والقَدَرِ، فَلا خَلاصَ لأُمَّةِ الإسْلامِ مِمّا هِي فِيهِ حَتَّى تَاتِيَ بِما أَمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ مِن أسْبابِ القُوةِ والغَلَبَةِ.
ورَأسُ ذلكَ أَمْران:
إقَامَةُ الدِينِ والشرْعِ، والجِهادُ الذِي أمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ ...
ورَأسُ إقامَةِ الدِينِ تَوْحِيدُ اللهِ تعالَى؛ ولا يَتِمُّ إلا بِتَحْكِيمِ شَرِيعَتِهِ والتَّحاكُمِ إلَيْها؛ ونَبْذِ كُلِّ ما خالَفَها مِن الشرائعِ الكافِرَةِ والبَراءَةِ مِنْها ومِن القائِمِينَ علَيْها والداعِينَ إلَيْها فِي بِلادِ المُسْلِمِينَ، إِذْ تَحْكِيمُ هَذهِ الشرائِعِ - فَضْلًا عَن كَونِهِ شرْكًا باللهِ تعالَى فِي حُكْمَهِ ومُضاهاةً لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعلاَ - هِيَ كَذلكَ مِن أَعْظَمِ أسْبابِ تَسَلُّطِ عَدُوِّ الدِينِ علَى بِلادِ الإسْلامِ، ولا مَعْنَىً لِفَرْضِها علَى بِلادِ الإِسْلامِ والقِيامِ عَلَى إنفاذِها بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلاّ التَّبَعِيَّةَ والانْقِيادَ للأُمَمِ الكافِرَةِ وفَرْضِ سُلْطانِها علَى بِلادِهِمْ!، ولِذا صارَتْ هَذهِ الشرائِعُ الوَضْعِيَّةُ والقائِمُونَ علَيْها أَعْظَمَ أسْبابِ ما آلَ إلَيْهِ حالُ المُسْلِمِينَ؛ وأكْبَرَ ما يَحُولُ بَيْنَهُمْ وبَينَ النّصْرِ والتَّمْكِينِ.
وأما الجِهادُ فِي سَبيلِ اللهِ؛ فَلا حَياةَ للأَمَّةِ إِلاَّ بِه!، بَلْ لا حَياةَ للبَشَرِيَّةِ كُلِّها إِلاَّ بِهِ!!، واقْرَا إنْ شِئْتَ بُرْهانَ ذلكَ فِي الرِّسالَةِ الرابِعَةِ مِن رَسائلِ الثُّغُورِ؛ وهِي: (فَلْسَفَةُ الجِهادِ فِي الإسْلام) .
فِي هَذه السَّنَةِ التِي أكْتُبُ فِيها هَذهِ الأَسْطُرَ وهِي سَنَةُ (1426) وقَعَ الزِّلْزالُ الكَبِيرُ فِي شِبْهِ القارَّةِ الهِنْدِية؛ وحَكَتِ الأخْبارُ وتَنَاقَلَ الناسُ أنَّ عَدَدَ مَن قُتِلَ فِيهِ مَن المُسْلِمينَ فِي بِلادِ كَشْمِيرَ الحُّرَّةِ بَلَغَ مائَةَ ألْفٍ أو يَزِيدُ رَحِمَهُمُ الله، وأَحْسَنَ عَزاءَنا وعَزاءَ أُمَّةِ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله.
وقَدْ حَكَى الناقِلُونَ أنَّ ذلكَ وقَعَ صَبِيحَةَ اليَومِ الثالِثِ مِن شَهْرِ رَمضانَ، وَأَكْثَرُ الناسِ يَكُونُونَ عادَةً فِي مِثْلِ هَذا الوَقْتِ نَائِمِينَ؛ لِما اعْتادُوهُ مِن السَّهَرِ الطَّوِيلِ فِي لَيالِي الشهرِ الكَرِيم!، ولَيْتَهُ يَكُونُ فِي طاعَةِ اللهِ تعالَى.