فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 34

الثالِثَةُ: أَنَّهُ يَكُفَّ عَنْهُ كَثِيرًا مِن أَلْسِنَةِ مُخالِفِيهِ، وخاصَّةً العامَّةَ مِنْهُمْ.

الرابِعَةُ: أَنَّهُ أَدْعَى لِقُبُولِ المُخالِفِ للحَقِّ، فَإنَّ طالِبَ الحَقِّ رُبَّما قَصَدَ إلَى طَلَبِهِ وسَعَى فِي ذلكَ جُهْدَهَ؛ ثَمَّ حالَ بَينَهُ وبَينَ ذلكَ غِلْظَةُ العِبارَةِ؛ وفَجاجَةُ اللفْظَة!، وما مِن شَيءٍ يَحْتاجُ إلَى رَحابَةِ الصَّدْرِ حاجَةَ الدّعْوَة إلَى الله لذلك، ثُمُّ هُو أَقْوَمُ للحُجَّةِ؛ وأَقْطَعُ للخُصُومَةِ؛ وأَنْفَى للتُّهَمَةِ، إذْ رُبَّما ظَنَّ السامِعُ أَنَّهُ انْتِصارٌ لِحَظِّ النَّفْس، وأَيْضًا فِإنَّ الحُجَّةَ مُحْصُورَةٌ فِي البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ولاَ حُجَّةَ فِي شَيءٍ سِواه.

أَمّا السَّبٌّ والتَّقْبِيحُ فَلا يَعْجَزُ عَنْهُ أَحَد، بَلِ الأَصاغِرُ أَقْدَرُ علَيْهِ مِن الأَكابِرِ!، وتَأمَّلْ مُحاجَّةَ القُرْآنِ لِخُصُومِ الإسْلامِ، وتَأمَّلْ هَدْيَ النّبِيِّ صَلّى اللهُ علَيْهِ وسلّمَ مَعَ أَعْدائِهِ، هَلْ تَرَى مِنْ ذلكَ شَيئًا؟!.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ المُسْتَهْجَنَ هُنا مِن اللفْظِ قِسمان:

أَحَدُهما: ما يَقْبُحُ التّصْرِيحُ بِهِ مِن الأَلْفاظِ، كاسْمِ العَوْرَةِ؛ واسمْ الجِماعِ؛ ونَحْوِ ذلك، مِمّا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الرِّعاعِ والفُساقِ!، ولا حُجَّةَ فِيما رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلّى اللهُ علَيْهِ وسلّمَ فِي ذلكَ فِي حَدِيثِ ماعِزٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، فَإنَّهُ إِنَّما احْتِيجَ إلَى اللفْظِ الصَّرِيحِ؛ لأّنَّ المَقامَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ يُوجِبُ ثُبُوتُهُ حِلَّ الدّم، ولأَنَّ لَفْظَ الزِّنا أَعَمُّ مِن الفِعْلِ المُوجِبِ للحَدّ؛ فَإنَّهُ يُطْلَقُ علَى لَمْسِ اليَدِ؛ وعَلى النَظَرِ بالعَيْنِ؛ ونَحْوِ هَذا؛ فاحْتِيجَ فِي التّثَبُّتِ إلَى التَّصْرِيحِ والتّفْصيل، لاَ أنَّ اسْتِعْمالَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ لِذلكَ اللفْظِ دَلِيلٌ عَلَى جَوازِهِ فِي كُلِّ حِينٍ كَما ظَنَّ بَعْضُهُم!، ولِذا لا تَجِدُ التّصْرِيحَ بِهِ فِي القُرْآنِ ولا فِي السُّنَّةِ فِي غَيرِ هَذا المَوضِعِ، فَفِي القُرْآنِ: {أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ} ، {وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} ؛ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ؛ {فَلَمّا تَغَشَّاهَا} ، ونَحْوُ هَذا، وفِي السُّنَّةِ: {إذا أَتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ} ؛ وهُوَ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيها؛ أعْنِي لَفْظَ الإتْيانِ، وفِيها أيْضًا {إذا جامَعَ .. } ، وخَيرُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهُ وسلامَهُ علَيه.

ثانِيهما: أنْ يَعْمِدَ إلَى اسْمِ خَصْمِهِ؛ أو اسْمِ كِتابِهِ؛ أو عِبارَةٍ قالَها، فَيُصَحِّفَها بإبْدالِ حَرْفٍ أوْ زِيادَتِهِ أوْ إنْقاصِهِ؛ ونَحْوِ ذلكَ!، سِيانِ كانَ هُو مَخْتَرِعَ ذلكَ أو مِن اخْتِراعِ غَيرِه، ورُبّما صَحَّفَ مَعْناها فَحَمَلَها علَى غَيرِ ما هِي مُسْتَعْمَلَةٌ لَه، كَما رَأيْتُ بَعْضَ المُصَنِّفِينَ يَرُدُّ علَى آخَرَ، وكِلاهُما مِن كِبارِ العُلَماء، فَنَقَلَ عِبارَتَهُ مَحَلَّ الرَّدِّ؛ وأولُها قَوْلُه: يَقُولُ العَبْدُ الضعِيفُ ... إلخ، فقالَ بَعْدَ نَقْلِها فِي جَوابِه: وأَقُولُ لِهَذا الضَّعِيفِ! .. إلخ، وبِيْنَ العِبارَتَينِ فَرْقٌ، لأنّ الأولَى قالَها صاحِبُها تَواضُعا، والثانِيةَ قيلَتْ فِيهِ جَرْحًا!، ثُمَّ إِنَّها إنْ كانَتْ صادِقَةً فِي مَوضِعِ الرَّدِّ؛ فَلا يَلْزَمُ مِن ذلكَ اطِّرادُ صِدْقِها فِي كُلِّ حالٍ كَما يَقْتَضِيهِ إطْلاقُ وصْفِ الضَّعِيف، فَيَكُونَ بِذلكَ إطْلاقًا للجَرْحِ بِغَيرِ مُوجِبٍ، والله أعْلم.

وفِي التّنْزِيلِ قَولُهُ تَعالَى: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: النّبْزُ مُخْتَصٌّ بِلَقَبِ السوءِ عُرْفًا. انتهى. وذلكَ كانَ حالَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ!؛ يَكْثُرُ فِيهِم أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ للآخَرِ: أَنْفُ الناقَةِ، قُرْقُور، بَطّة، قُفَّة!، ونَحْو هَذا، فَنَهَى الشرْعُ عَنْهُ لَما فِيهِ من التعالِي والكِبْرِ، (والنَّفْسُ عَشّاقَةٌ للنَّقائِصِ لاَ سِيَّما ما فِيهِ اسْتِعْلاءٌ) !؛ كما قالَ البِقاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي البُرْهان، ولأَنَّهُ لا يَخْلُو عَن كَذِبٍ؛ كَقَوْلِهِم: مَرْوانُ الحَمارُ!، فَإنِّهُ لَيسَ كَذلكَ.

هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ فِي المُسْنَدِ وَأَبُو داودَ والنّسائِيُّ وابْنُ ماجَةَ فِي السنَنِ عَنْ أبَي هُرَيرَةَ رَضِي اللهُ عَنْه؛ وصَحّحَهُ الألْبانِيُّ رَحِمَهُ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيه؛ وفِيها عَلَى اخْتِصارِها كَثِيرٌ مِن فِقْهِ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ، نَاتِي مِنْهُ فِي هَذا المَوْضِعِ بِما يَفْتَحُ اللهُ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت