انْتَهَتْ بِنا الرُّحْلَةُ قَبْلَ تِسْعٍ سِنِينَ أو يَزِيدُ إلَى ضِفافِ نَهْرِ (جَيحُونَ) ، وسِرْنا والنَّهْرَ تُحاذِينا مِن الجِهَةِ الأُخْرَى بِلادُ (تِرْمِذَ) ؛ والتِي لا تَكادُ تَذْكُرُها لأَحَدٍ مِن عامَّةِ المُسْلِمِينَ فَضلًا عَن خَواصِّهِمْ إلا وَذكَرَ بِها (التِّرْمِذِيَّ) الإمامَ صاحِبَ السُّنَنِ رَحِمَهُ الله!، ثُمّ شاءَ اللهُ تَعالَى أَنْ يَكُونَ مَبِيتُنا فِي ذلكَ الثغْرِ مُقابِلَ قَبْرِ الإمامِ حَيْثُ كُنّا نَراهُ فِي الضِّفَّةِ المُقابِلَةِ!، ويا لَهَا مِن لَيْلَةٍ تَعْدِلُ الدُّنْيا وما فِيها، تَذكَّرْتُ بِها عُهُودا قَدْ مَضَتْ؛ رِحْلَةَ العُلَماءِ فِي الطلَبِ إلَى بُخارَى وسَمَرْقَنْدَ وتِرْمِذَ وغَيْرِها مِن بِلادِ ما وَراءَ النَّهْرِ، كَما تَذكَرْتُ بِها مِن العُلَماءِ مَنْ لا يُحْصَوْنَ؛ مِمَّنْ أخْرَجَتْهُمْ أرحامُ هاتيكَ الدَّيارِ؛ وتَمْتَلِئُ بِسِيَرِهِمْ بُطُونُ الكُتُب!، وتَمَنَّيْتُ - وتَمَنِّي المُسْتَحِيلِ جائزٌ فِي فِعْلِ الخَيْر - لَو أَنّنِي كُنْتُ فِي بَعْضِ تِلكَ الأيامِ لأُرَوِّيَ غَلِيلَ النفْسِ بلِقاءِ المَشيَخَةِ أصْحابِ الحَدِيثِ!، غَيْرَ أنَّ رُؤْيَةَ العَدُّوِّ فِي الطَّرَفِ المُقابِلِ أَذْكَرَتْنِي بِأنْ لا سَبيلَ إلَى إحْياءِ ما انْدَرَسَ مِن مَعالِمِ عِزِّنا إلا بالجِهادِ.
لا أَزالُ أَذكُرُ شَيْخًا طاعِنًا فِي السّنِّ مِن العَجَمِ؛ لَقِيتُهُ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ عامَ (1405) للهِجْرَةِ؛ وقَدْ ترافَقْنا مَعا ذاهِبَيْنِ إلَى بَعْضِ المَساجِدِ لِصلاةِ الظُّهْرِ، ولَما سَأَلْتُهُ عَنْ كِتابِ اللهِ تعالَى ما يَحْفَظُ مِنْهُ؟!؛ بَكَى بُكاءً مُرًّا؛ حَتّى بَكَيتُ وصاحِبِي لِبُكائِهِ، وكانَ الذِي أبكاهُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ فَهْمَ اللغَةِ التِي نَزَلَ بِها الكِتابُ!، وقَلْتُ فِي نَفْسِي وفِي مَواطِنَ عِدَّةٍ مِن بَعْدُ لإخْوانٍ لِي: فَما بالُ أَقْوامٍ مِنّا وهُمُ الذينَ نَزَلَ القُرْآنُ بِلِسانِهِمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ!؛ وبِأحْكامِهِ جاهِلُونَ؟!؛ غَيْرَ أنَّها الأقْفالُ التِي أَحْكَمَتْ بِها الأهْواءُ مَغالِيقَ القُلُوبِ، ولَيْسْأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَن النّعِيم، ومِن أعْظَمِ النِّعِمِ أنْ يُيَسَّرَ للمَرْءِ لَغَةُ التَّنْزِيلِ، واقْرَا قَوْلَهُ تعالَى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} ، قِيلَ: المُرادُ: تَسْهِيلُ قِراءَتِهِ، قالَ كاتِبُهُ عَفا اللهُ عَنْه: ويُنْتَزَعُ مِن هَذهِ الآيَةِ أنَّ مَحَبَّةَ لُغَةِ العَرَبِ التِي نَزَلَ بِها الكِتابُ مِن شَأنِ المُتَّقِينَ؛ فَإنَّهُ لا يَسْتَبْشِرُ بِهِ مَنْ كانَ يُبْغِضُها!، واللهُ أعْلَم، وفِي أواخِر الدخانِ قَوْلُهُ: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ، وفِي هَذا المَعْنَى آياتٌ كَثِيراتٌ.
تَأمّلْتُ شَأنَ هَذه الدّنْيا؛ فَرَأَيتُ كُلَّ شَرِيفٍ فِيها مُمْتَنِعًا إلاّ عَلَى أفْذاذِ الرِّجالِ!، وهَكذا شَأنُ العِلْمِ؛ لَيْسَ يُؤْتِي ثِمارَهُ إلاّ لِعَمالِيقِ الهِمَمِ!؛ (جَمْعُ عِمْلاقٍ وهُو: الطويل؛ وتُجْمَعُ علَى عَمالِقَةٍ؛ وعمالِقَ بَغَيرِ ياءٍ؛ وهو نادرٌ) ، فَاعْجَبْ ما شِِِئْتَ لِقُزامَى (كُسُكارَى!؛ جَمْعُ قَزَمٍ؛ ويقالُ: أقزامٌ أيضًا) مِنَ القَوْمِ يُرِيدُونَ اخْتِزالَ العِلْمِ لُيُوافِقَ عَظِيمُ قَدْرِهِ خَسِيسَ أَقْدارِهِمْ!، وظَنُّوا أنَّهُمْ بِذلكَ يُحْسِنُونَ!؛ ولَعَمْرُ اللهِ إنْ أساءُوا بِهَذا إِلاَّ لأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ، إِذ كانُوا - بِما يَصْنَعُونَ - كالصَّبِي إِذا تَقَمَّصَ ثِيابَ الكَبِيرِ؛ ثُمَّ خُيِّلَ إلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ!، فَمَنْ كانَ مِنْ أمْثالِهِ مِن صِبْيانِ المُتعالِمِينَ لَمْ يَرَ مِنْهُ غَيْرَ ثِيابِهِ! فَظَنَّهُ كَبيرًا!، وإنّما يُفْتَضَحُ أمْرُهُ بِمُقارَنَتِهِ بِأساطِينِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ، وقَدْ كَثُرَ هَذا الصِّنْفُ فِي زَمانِنَا أَصْلَحَهُمُ الله، وغَدَوا