مَهْما يَكُنْ تَعْرِيفُ الحَضارَةِ وتَبايُنُ آراءِ الناسِ حَوْلَها؛ فَإِنَّها لا انْفِصالَ لَها عَن العَقِيدَةِ فِي الجُمْلَةِ، لأنَّ العَقِيدَةَ هِي الباعِثُ علَى الإخْلاصِ للعَمَلِ نَفْسِهِ؛ دُونَ مِيزانِ المَنْفَعَةِ الخاصَّةِ مِن العَمَلِ أو الضرَرِ الذي يَلْحَقُ بَسَبِبِه، وقَدْ قَرَأنا فِي توارِيخِ الأُمَمِ القَدِيمِ مِنْها والحَدِيثِ - كَأمُمِ الفُرْس والهِنْدِ والصينِ واليُونانِ والرومانِ؛ إلَى الأُمَمِ والدُّولِ المُعاصِرَةِ - فَوَجَدْنا ذلكَ فِيها قَاعِدَةً مُضْطَرِدَةً لا يَشِذُّ عَنْها أَحَد، حَتّى إنّهُ يُمْكِنُ أنْ نَجْعَلَها سُنَّةً مِن السُّنَنِ الاجْتِماعِيَّةِ التِي تَحْكُمُ حَرَكَةَ الكَوْنِ والحَياة، والشواهِدُ علَى ذلكَ يَضِيقُ عَنْها الحَصر، وما يُرَوَّجُ لَهُ مِن الفَصْلِ بَيْنَهُما اليَوْمَ!؛ ومُحاوَلَةُ تَغْفِيلِ الناسِ عَن ذلكَ؛ يُرادُ بِهِ المُسْلِمُونَ فَحَسْبُ دُونَ غَيْرِهم، لأَنَّهُ مَتى ثَبَتَ ما قَدَّمْناهُ تَفَرَّعَ عَنْهُ أمْران:
الأَول: أنَّ العَقِيدَةَ أساسٌ مَتِينٌ فِي نَهْضَةِ كُلِّ أُمَّةِ وتَقَدُّمِها ورُقِيِّها ومَدَنِيَّتِها.
الثانِي: أنَّ التَّقَدُّمَ والرُّقِي يَشْمَلُ جَوانِبَ مِن الحَياةِ عَلَى قَدْرِ سَلامَةِ تِلْكَ العَقِيدَةِ واسْتِقامَةِ أُصُولِها.
والعَقِيدَةُ الإسْلامِيَّةُ جامِعَةٌ لأُصُولِ السعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، فَمتَى استَقامَ الناسُ علَى أُصُولِها ولِزِمُوا مَبادِءَها؛ كانَتِ الرُّوحَ التِي تَحْيا بِها الأُمَّةُ بِأَسْرِها؛ والعامِلَ الذِي تَتَفاعَلُ بِهِ جَمِيعُ أعْضاءِ الجَسدِ الواحِدِ مَعَ سُنَنِ الكَونِ والحَياة، بِخِلافِ غَيْرِها مِن العَقائدِ الباطِلَةِ!، فَإنَّها لِفَسادِها أنْتَجَتْ تَفاعُلًا فاسِدًا؛ كَما تَقْرَأُ فِي الحَضاراتِ البائِدَةِ؛ كَحَضارَاتِ الفَراعِنَةِ؛ وبابُلَ؛ وسُومَرَ؛ ونَحْوِها، أوْ حَضارَاتِ الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ التِي نُعاصِرُها!، ومَن ثَمَّ كانَتْ الثّمَرَةُ خَلْقًا مُشَوَّها لَمْ يَزَلْ أَهْلُهُ يُعانُونَ مِنْهُ الأَمَرَّيْنِ!، واقْرَا ما كَتَبْناهُ فِي كِتابِنا (دِلالٌٍ وأسْمار) المُسامَرَةَ التِي بِعُنْوانِ (فَتاةِ القَرْيَةِ وحَسْناءِ المَدِينَة) ؛ لِتَرَى أُنْمُوذَجًا مِن التَّشَوُّهِ المَذكُورِ، وإنّما مَثَلُ تِلْكَ الحَضاراتِ كَمَثَلِ الجَسدِ الكَبِيرِ بِرَأسٍ صَغِيرٍ لا عَقْلَ مَعَه!؛ وقَلْبٍ ضَعِيفٍ مُتَهالِكٍ لا يَقْدِرُ علَى دَفْعِ الدَّمِ فِي الأَوْرِدَةِ والشرايِينِ، والرّأسُ والعَقْل فِي تِلْكَ الحَضاراتِ هُما الإيمانُ باللهِ واليَومِ والآخِرِ، والأَخْلاقُ والقِيَم، وهُما مِن حَضارَةِ القَوْمِ علَى ما وَصَفْناهُ لك.
وبِهَذا تَعْلَمَ سَفَهَ مَنْ وَضَعَ تَلْكَ الحَضاراتِ - التِي لا حَياةَ لَها إلاّ فِي غُرَفِ الإنْعاشِ فَهِيَ تَحْتَضِرُ فِي كُلِّ حِينٍ إلَى أَجَلٍ قُدِّرَ لَها - فِي مُواجِهَةِ حَضارَةِ الإسْلامِ التِي وُلِدَتْ - وسَتَبْقَى إلَى أنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ ومَن علَيها - صَحِيَحَةً مُعافاةً تَمْتَلِكُ فِي ذاتِها الحَصانَةَ والمَناعَةَ التِي تَضْمَنُ لَها البَقاءَ والخُلُود.
ولَوْ أنَّ عُقَلاءَ الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ تَأمَّلُوا ذلكَ حَقًّا؛ بَعِيدًا عَن العَصَبِيَّةِ والهَوَى؛ لأَنْتَجَ لَهُمْ تَأَمُّلُهُمْ نِهايَةَ ما سُمِّيَ (بِصِراعِ الحَضاراتِ) ؛ ولَقَرَأُوا فِي داخِلِهِمْ النِّهَايَةَ والعاقِبَةَ!؛ {فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًَا} ؟!.
عُنْوانُ هَذا الفَصْلِ جُزْءُ مِن حَديثٍ رواهُ أَبُو داودَ فِي السُّنَنِ وَأحْمَدُ فِي المُسْنَدِ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بِنِ عَمْروٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما مَرْفُوعا: إِذَا رَأَيْتَ النّاسَ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ؛ وَخَفّتْ أَمَانَاتُهُمْ؛ وَكَانُوا هَكَذاَ!؛ وَشَبّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ قَالَ (الرّاوِي) : فَقُمْتُ إِلَيْهِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلكَ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ؟!، قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ؛ وَ امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ؛ وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَامّةَ.