والقاعِدَةُ الجامِعَةُ المانِعَةُ لِهَذا: تَسْلِيطُ المُعالَجَةِ علَى الأُصُولِ والكُلِّياتِ التِي يَصْلُحُ بِصَلاحِها كَثِيرٌ مِن الفُرُوعِ والجَزْئِيَّاتِ، وقَدْ يَكُونُ الأَمْرُ أَصْلًا كُلِّيًا باعْتِبارٍ؛ وفَرْعًا جُزْئِيّا باعْتِبارٍ آخَرَ فَيُراعَى مِنْهُ ذلكَ بِحَسْبِ المَقامِ.
وقَدْ وَقَعَتْ قَبْلَ أيامٍ مِن كِتابَةٍ هَذا الفَصْلِ حادِثَةٌ تَناقَلَها الناسُ؛ أُرِيدُ أنْ أتَّخِذَ مِنها ومِن تَعامُلِ الدُّعاةِ مَعَ أمْثالِها مَدْخَلًا للحَدِيثِ؛ ومِفْتاحًا لأمْثِلَةٍ أُخْرَى إن شاءَ الله، لِتُفْصِحَ هَذهِ الحَوادِثُ بِلِسانِ الحالِ قَبلَ لِسانِ المَقالِ عَنِ السبيلِ الذِي يَتَعَيَّنُ سُلُوكُهُ طَلَبًا لِصلاحِ البلادِ والعِباد.
فَقَدْ رَوَى نَقَلَةُ الأخْبارِ أنَّ رَجُلًا مَجْهُولًا! فِي إحْدَى البِلادِ الإسْلامِيَّةِ اسْتَدْرَجَ صَبِيَّةً تَبْلُغُ مِن العُمُرِ أَرْبَعَ سِنِينَ إلَى بَيْتٍ خَرِبٍ مَهْجُورٍ؛ ثُمَّ اعْتَدَى علَى الصغِيرَةِ باغْتِصابِها!؛ وثَنّى فِعْلَتَهُ الشَّنِيعَةَ هَذِهِ بِأشْنَعَ مِنها؛ فَقَتَلَ الصَّبِيَّةَ وتَركَها هارِبًا!!؛ ولَمْ يُعْرَفِ الأَمْرُ حِينَ فُقِدَتِ الصَّبِيَّةُ أيامًا إلاّ بَعْدِ اكْتشافِ جُثَّتِها فِي المَوضِعِ المَذكُور.
ولَيْسَتْ هَذه الحادِثَةُ فَرْدًا مِن الحَوادِثِ لا ثانِيَ لَهُ فِي بلادِنا، بَلْ هِي فِي ازْدِيادٍ يَومًا بَعْدَ يَومٍ، ولَيسَ ذلكَ سِِرًّا نَنْفَردُ بحِكايَتِهِ؛ فَإنَّهُ لا يَشاءُ أنْ يَتَتَبَعَ ذلكَ أَحْدٌ إلا وسَمِعَ مِنْهُ ما يَمْلأُ النّفْسَ حَسْرَةً وألَمًا، إنْ كانَ فِي النَّفْسِ صِدْقٌ وإيمان.
وقَدْ تَعَوَّدْنا مِن كَثِيرٍ مِنَ المشايِخِ والدُّعاةِ والوُعاظِ فِي هَذه الحادِثَةِ وأمْثالِها أنْ يُوَجِّهُوا سِهامَ التَّقْرِيعِ واللّومِ إلَى ما انْتَشَرَ مِن الفسادِ بَينَ الناسِ؛ وتَحْذِيرِهِم مِنهُ ومِن عاقِبَتِهِ، وتَوجِيهِ الآباءِ والأولِياءِ إلَى العِنايَةِ بِتَرْبِيةِ الصغارِ والمُحافَظَةِ علَيْهِمْ؛ ... فِي كَلامٍ طَويلٍ باتَ مَحْفُوظًا للكَبِيرِ والصغِيرِ فِي مِثْلِ هَذه الحَوادِث!.
وكُلُّ ذلكَ حَقٌّ وصِحِيحٌ وأمْرٌ لا بُدَّ مِنْهُ؛ نَعَمْ، لِكَنَّ وَراءَ هَذا الفَسادِ فَسادًا آخَرَ هُو أَشَرُ مِنه!؛ لأَنَّهُ هُو الذِي يُنْتِجِهُ ويُوَلِّدُهُ، وذلكَ أَصْلُ العِلَّةِ ومَبْعَثُ الداءِ!، أَلا وُهُوَ سُعاةُ الفَسادِ والقائِمُونَ عَلَى نَشْرِ الرَّذِيلَةِ فِي بِلادِ المُسْلِمِينَ!، أُولَئكَ الغَارِقُونَ فِي حَمْأةِ الهَوى!؛ الشارِبُونَ مِن حُمَيّا الشَّهَواتِ حَتَّى رَقَّ دِينُهُمْ رِقّةَ الهَوا!؛ مَنْ لاَ حَظَّ لِهُمْ مِن الأَخْلاقِ إلاّ كَحَظِّ الجائِعِ مِن النَّسِيمِ، والحِمارِ مِن البَرْسِيم!، غَرابِيلُ لا تَحْفَظُ ذِمَّةً ولا عَهْدًا، تَرَى وَاحِدَهُمْ يَفِرُّ مِن الفَضِيلَةِ فِرارَ النَّعامَةِ ويُقْبِلُ علَى الرَّذائِلِ فَهْدًا!، عَرَفُوا سَبِيلَ الرُّشْدِ فَخانُوهُ وأَهانُوهُ، واتَّخَذُوا سَبِيلَ الغَيِّ سَببيلًا فَلازَمُوهُ ولاَيَنُوه!، فَمَنْ أَمِنَهُمْ عَلَى أعْراضِ المُسْلِمِينَ فَقَدْ أَمِنَ الذّئبَ علَى الحَمَلِ!، ومَن رَضِيَ عَنْهُمْ وشايَعَهُمْ حَمَلَ مِنْ أَوزارِهِم وأوْزارِهِ ما حَمَلَ!، وقَدْ كَثُرُوا وَتَناثَرُوا فِي أَمْصارِ المُسْلِمينَ تَناثُرَ الأَذَى علَى قارِعَةِ الطّريقِ!، وإِماطَةُ الأَذَى عَنْ طُرُقِ المُسْلِمينَ أَدْنَى شُعَبِ الإيمانِ!؛ والإيمانُ بِها حَقِيقٌ وخَلِيقٌ.
وفِي ظِلاَلِ القُرْآنِ مِمَّا يُوافِقُ هَذا البابَ قَوْلُ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ الجُهْدَ الأَصِيلَ؛ وَالتَّضْحِياتِ النَّبِيلَةَ يَجِبُ أَنْ تَتَّجِهَ أَوَّلًا إِلَى إِقَامَةِ الْمُجْتَمَعِ الْخَيِّرِ؛ وَالْمُجْتَمَعُ الْخَيِّرُ هُوَ الذِي يَقُومُ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ الجُهْدُ وَالبَذْلُ وَالتَّضْحِيَةُ إِلَى إِصْلاَحَاتٍ جُزْئِيَّةٍ؛ شَخْصِيَّةٍ وَفَرْدِيَّةٍ عَنْ طَرِيقِ الأَمْرِ بٍالمًعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
إِنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنَ الْمُحَاوَلاَتِ الْجُزْئِيَّةِ حينَ يَفْسُدُ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ؛ وَحِينَ تَطْغَى الجَاهِلِيَّةُ؛ وَحِينَ يَقُومُ الْمُجْتَمَعُ عَلَى غَيْرِ مَنْهَجِ اللهِ؛ وَحَيْثُ يَتِّخِذُ لَهُ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَةِ اللهِ، فَيَنْبَغِي عِنْدَئِذٍ أَنْ تَبْدَأَ الْمُحَاوَلَةُ مِنَ الأَسَاسِ؛ وَأَنْ تَنْبُتَ مِنَ الْجُذُورِ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْجُهْدُ وَالْجِهَادُ لِتَقْرِيرِ سُلْطانِ اللهِ فِي الأَرْضِ؛ وَحِينَ يَسْتِقِرُّ هذَا السُّلْطَانُ يُصْبِحُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ شَيْئًا يَرْتَكِنُ إِلَى أَسَاسٍ. انْتَهَى.