فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 34

مَلَكَةَ الفِقْهِ والدُّرْبَةَ علَى الاسْتِنْباطِ، لأنَّ الفَتْوَى لا يُذْكَرُ فِيها عادَةً إلاّ ما صارَ إلَيْهِ المُفْتِي مِن الراجِحِ عِنْدَهُ؛ دُونَ الإشارَةِ إلَى شَيءٍ مِمّا أَشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا، ومَن لَمْ تَكُنْ لَهُ مَلَكَةٌ فِي الفِقْهِ رُبّما ظَنَّ فِي واقِعَةٍ أَنّها نَظِيرُ واقِعَةِ الفَتْوى؛ وغَفِلَ عَن دَقائقَ مِن الفُرُوقِ تُوجِبُ تَبَايُنًا ظاهِرًا بَيْنَ الحُكْمَينِ.

ثُمّ إنّ هَذا المسْلَكَ فِي التَّحْقِيقِ قَيْدٌ للأهْواءِ؛ كَما أنَّ الإيمانَ قَيْدٌ للفَتْكِ!، وهُوَ أَيْضًا دِرْعٌ واقٍ مِن الوُقُوعِ فِي الشُّبُهات، مَعَ ما يُكْسِبُ المَرْءَ مِن سَعَةِ الصَّدْرِ التِي هِيَ ثَمَرَةُ سَعَةِ الفِقْهِ والتَّبَحُّرِ فِيهِ، وقَدْ كُنْتُ فِي حَداثَةِ السِّنِّ أوَائِلَ الطَّلَبِ تُنازِعُنِي نَفْسِي إلَى نَحْوِ ما يَصْنَعُ أَنْصافُ الكُتَّابِ مِمَّنْ ذكَرْتُ سابِقًا؛ كَما كَانَتْ تُرَاوِدُنِي عَلَى صَنْعَةِ التَّصْنِيفِ مُنْذُ أكْثَرَ مِن عِشْرِينَ عامًا!؛ إلاّ أنَّ اللهَ تعالَى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ عَصَمَنِي مِنْهُ؛ وعَوّضَنِي بالصَّبْرِ عَنْهُ الجِدّ فِي المُطالَعَةِ والطَّلَبِ؛ وتَقْيِيدَ ما يَقَعُ لَي مِن الفوائدِ فِي مَظانِّها وغَيْرِ مَظانِّها، ولَمْ أشْتَغِلْ بِحَمْدِ اللهِ فِي شَيءٍ مِن التّصانِيفِ إلا بَعْدَ بُلُوغِ الأَرْبَعِينَ، ولَمْ أكْتُبْ أيامَ الطلَبِ سِوَى مَقالاتٍ يَسيرَةٍ إِذا قارَنْتُها بِما كَتَبْتُهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وجَدْتُنِي لَسْتُ رَاضِيًا عَنْ كَثِيرٍ مِنْها، وأسْألُ اللهَ أنْ يُعِينَنِي علَى مُراجَعَتِها والنظَرِ فِيها ثانِيًا، وأَوَّلُ كِتابٍ مِن التّصانِيفِ أَخْرَجْتُهُ هُو (سلُّ الحُسام) ، فَما شَرَعْتُ فِي ذلكَ حَتّى كانَ بَينَ يَدَيَّ آلافٌ مِن الفَوائِدِ؛ وَوَجَدْتُ الفَرْقَ بَيْنَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ أوائلَ الطَلَبِ وبَينَ وَقْتِ الشرُوعِ فِي التّصْنِيفِ كالفَرْقِ بَينَ سِرَاجٍ يُنَوْنِصُ فِي حالكِ الليْلِ وسَوادِهِ؛ وبَينَ شَمْسِ الصائِفَةِ فِي يَومِ صَحْوٍ إِذا تَوَسَّطَتْ كَبِدَ السّماءِ، {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} .

وأَعِظُ إِخْوانِي مِن أَهْلِ العِلْمِ ثانِيًا؛ أن لا يَعْتَمِدُوا فِي إرْشادِ المُبْتَدِئِينَ والناشِئَةِ إلاَّ علَى كُتُبِ الثِّقاتِ مِن أَهْلِ العِلْمِ؛ ومَن عُرِفُوا بِدَقِيقِ النَّظَرِ ورُسُوخِ القَدَمِ فِي مَسائِلِ العِلْمِ، دُونَ كُتُبِ مَن سِواهِمْ مِمّنْ أشَرْنا إلَيْهِ.

وأعِظُهُمْ ثالِثًا؛ أنْ يَحْرِصُوا عَلَى غَرْسِ رُوحِ الإنْصافِ - مَعَ المُخالِفِ قَبْلَ المُوافِقِ - فِي نُفُوسِ تَلامِذَتِهِمْ وأتْباعِهِم؛ ولا يَكُونُ ذلكَ إِلاّ بِلُزومِ المُتْبُوعِ مَوْضِعَ القُدْوَةِ للأتْباعِ، ومُنْذُ سِنِينَ تَناقَلَ بَعْضُ الشبابِ فَتْوى لأحَدِ المَشايِخِ بِجَوازِ العَمَلِ فِي الجَيْشِ والشُّرَطَةِ المُوالِيَةِ للعَدُّوِّ الصائِلِ فِي بَعْضِ البِلادِ!، وعَلَّقَ علَيْها بَعْضُ طلَبَةِ العِلْمِ تَعْلِيقًا يَتَناسَبُ مَعَ إطْلاقِ القَولِ بِجَوازِ ذلكَ؛ وتَحامَلُوا عَلَى صاحِبِ الفَتْوى بِسَبِبِ ذلكَ تَحَامُلًا ظاهِرًا؛ حَتّى صارَ عُرْضَةً لكُلِّ سَهْمٍ جارِحٍ بِحَقٍّ وغَيْرِ حَق!، فَلَما رَجَعْتُ إلَى الفَتْوى المَذكُورَةِ؛ رَأَيْتُ الرَّجُلَ قَدْ سُئِلَ عَنِ المَواطِنِ التِي يَكْثُرُ فِيها الروافِضُ؛ وهَؤلاءِ يَدْخُلُونَ فِي وَظائِفِ الجَيْشِ والشُّرَطَةِ فَيَعْظُمُ أَذاهُمْ وعُدْوانُهُمْ علَى أَهْلِ السُّنّةِ فِي تِلْكَ البِلاد، فَكانَ السؤالُ عَن جَوازِ ذلكَ حِمايَةً لأَهْلِ السُّنَّةِ ورَدّا لِعادِيَةِ الرّافِضَةِ عَنْهم!، وسَواءٌ أَصابَ الشيْخُ فِي جَوَابِهِ أمْ أخْطَأَ؛ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعَ تَحْرِيرِ المَسْألَةِ والجَوابِ عَنْها، لَكِنَّ الذِي يَهُمُّنا هُنا هِي الطَّرِيقَةُ التِي تَعامَلَ بِها الناقِلُونَ للفَتْوى والمُعَلِّقُونَ علَيْها!، فَبَيْنَ ما نُقِلَ مِن الإفْتاءِ بالجَوازِ مُطْلَقًا؛ وما وَقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ مِن الجَوازِ للضَّرُورَةِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، حَتّى وَإِنْ قُلْنا بالمَنْعِ فِي الحالَتَينِ، ومِثْلُ هَذا التَّهاوُنِ والتّساهُلِ لا يُرَبّي فِي الأُمَّةِ أجْيالًا تَحْمِلُ الأَمانَةَ؛ وتَكُونُ فِي مَحَلِّ الثِّقَةِ مِنْها؛ وتَرِثُ عَنْ سَيِّدِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ خُلُقَيِ الرَافَةِ والرَّحْمَةِ بالمُؤْمِنِينَ؛ اللذَيْنِ هُما مِن لازِمِ العِلْمِ الذِي وَرّثَهُ لِمَنْ يَحْمِلُهُ مِن العُدُولِ فِي أُمّتِهِ صَلُواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ، وفَوقَ هَذا كُلِّهِ؛ فَإنَّهُ مِن الظُّلْمِ الذي حَرَّمَهُ اللهُ تعالَى، واللهُ لا يُحْبُّ الظالِمِين، وأَيُّ عائِقٍ عَن النّصْرِ والتَّمْكِينِ - مِن بَعْدُ - أعْظَمُ مِن هَذا؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت