وقَدْ رَأيْتُ فِي (المِعْيارِ المُعْرِبِ) للْوَنْشَرِيسِيِّ المالِكِيِّ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ مُراعاةَ الخُصُوصِيَّاتِ المُثِيرَةِ للفَوارِقِ فِي مَسائلِ النَّوازِلِ مِن أعْظَمِ الأَسْبابِ التِي يَقَعُ بِها الزَّلَلُ فِي الفَتْوى، كَما أنَّ الغَفْلَةَ عَن مَقاصِدِ الشرْعِ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ كذلكَ؛ كَما نَبَّهَ علَيْهِ الشاطِبِيُّ رَحِمَهُ الله.
ومُراعاةُ هَذهِ الفَوارِقِ؛ والعِنايَةُ بِمَقاصِدِ الشرعِ لا يَتِمُّ للعالِمِ إلا بِأُمُور:
الأوّل: أنْ يُلِمَّ مِن عُلُومِ الآلَةِ بِما لا بُدُّ لَهُ مِنْهُ؛ علَى ما بَيّنَهُ الأئمَّةُ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي مَواضِعِهِ.
الثانِي: أنْ يُطالِعَ كُتَبَ تَخْرِيجِ الفُرُوعِ علَى الأُصُول، وكُتُبَ الأشْباهِ والنظائرِ؛ وكُتُبَ الفُرُوقِ.
الثالث: أنْ تَحْصُلَ لَهُ الدُّرْبَةُ بِمُمارَسَةِ المُطَوَّلاتِ مِنْ كُتُبِ الفُقَهاءِ لا المُخْتَصراتِ، فَإنَّ هَذه للحِفْظِ وتِلْكَ لِما ذَكَرْناه، ومَن اعْتَنَى بِهَذه الثلاثَةِ مَعَ الصبْرِ والجَلَدِ علَى ذلكَ حَصَلتْ لَهُ مَلَكَةُ الفِقْهِ والاسْتِنْباطِ، ويَزِيدُ اللهُ من شاءَ ما شاءَ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم.
فَباللهِ علَيكَ؛ أَهُؤلاءِ الكُتَّابُ يَدْرُونَ مِن هَذا شَيْئًا؟!، وكَمْ مِنْ حَسَنِ النِّيَّةِ قَصَدَ إلَى إِصْلاحٍ شَيْءٍ فَأفْسَدَهُ!!، والضعِيفُ فِي العِلْمِ لا يَمْلِكُ فِي التّصْنِيفِ إلاَّ حَشْوَ الكُتُبِ بِالعُمُوماتِ مِن الأَدِلَّةِ!، ثُمَّ تَرَ الغِرَّ الحَدَثَ إِذا طالَعَ ذلكَ ظَنَّهُ الشحْمَ فِيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ!؛ فاسْتَسْمَنَ كُلَّ هَزِيلَةٍ عَجْفاءَ!، ويَحْسَبُ أنَّ كُلَّ ما أَتَى بِهِ الكاتِبُ اعْتِقادٌ واجِبٌ علَيهِ لا يَسَعُ الناسَ خِلافُهُ!، ويَرَى الأمْرَ هَيِّنا يَسِيرًا علَيْهِ، فَما الفَتْوى إلاّ أَنْ يَسْتَشْهِدَ بالدلِيلِ حَيْثُ أَرادَ!؛ كما صَنَعَ الكاتِبُ المُتَعالِمُ حَذْوَ القَذَّةِ بالقُذةِ!، فَإذا سَمِعَ مِنْ بَعْدُ كَلامَ الفَحُولِ أَنْكَرَهُ!؛ وصالَ علَى كَلامِ العالِمِ بِجَهْلِهِ فَجْنَدَلَهُ وقَطَّرَه!!، فَما لَهُ وللعامِّ والخاصِّ؛ والمُطْلَقِ والمُقَيَّدِ؛ والمُجْمَلِ والمُبَيَّنِ؛ والمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ والناسِخِ والمَنْسُوخِ؛ والظاهِرِ والمُؤَوَّلِ؛ والمَنْظُوقِ والمَفْهُوم!، فَكُلُّ ذلكَ لا وِزانَ لَهُ عِنْدَهُ ولا يَدْرِيهِ!!، والرَّجُلُ مِن وَراءِ ذلكَ نابِذٌ للتَّقْلِيدِ، وكَأنَّ الاجْتِهادَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ!، لا جَرَمَ إِذا اطّلَعَ عَلَى كلامِ المُحَقِّقِينَ عارَضَهُ بِما اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ؛ وطالَبَ المُخالِفَ بالدَّلِيلِ!، لأَنّهُ لا يَعْرِفُ مِن الدّلِيلِ غَيْرَ حِكايَتِهِ، أما طُرُقُ الاسْتِدْلالِ ومَراتِبُ الأدِلَّةِ فَما طَرَقَتْ سَمَعْهُ دَعْ عَنْكَ أنْ يَدْرِيَها!، ولذلكَ أَصْبَحَ المِيزانُ عِنْدَ أمْثالِ هَؤلاءِ أنْ يَعُدُّوا كُلَّ مُوافِقٍ لَهُمْ - ولَوْ فِي بَعْضِ المَسائلِ - مِن (إِخْوانِ المَنْهَجِ) كَما يَقُولُون!؛ حَتَّى ولَو كانَ (المُوافِقُ) فِي مِيزانِ العِلْمِ لا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ!، كَما يَعُدُّونَ كُلَّ مُخالِفٍ - ولَو فِي مَسْألَةٍ أو فِي بَعْضِ المَسائِلِ التِي يَسَعُ فِيها الاجْتِهادُ - مِنْ (أَعْداءِ المَنْهَجِ) !؛ حَتَّى وإنْ كانَتْ أُصُولُ مَنْ خالَفُوهُ أُصُولَ أهْلِ السَّنَّةِ والحَماعَةِ وَقْعَ الحافِرِ علَى الحافِر!، وقَدْ مارَسْتُ هَؤلاءِ ومارَسُونِي؛ فَمُعْوَجٌّ عَلَيَّ ومُسْتَقِيمٌ، وللهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْد.
والذِي أَعْظُ بِهِ نَفْسِي أَوّلًا وإخْوانِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِمّنْ تَصَدَّى لِبَيانِ هَذهِ النَّوازِلِ وأحْكامِها؛ أنْ يَسْلُكُوا فِيما يَكْتُبُونَ مَسالكَ المُحَقِّقِينَ مِن العُلَماءِ، وأنْ يُكْثِرُوا مِن مَطالَعَةِ مُطَوَّلاتِ أكابِرِ الفُقَهاءِ كَمْجُمُوعِ النّوَوِيِّ؛ وحاوِي المَاوَرْدِيّ؛ ومُغْنِي ابْنِ قُدامَةَ؛ ومَبْسُوطِ السرَخْسِيِّ؛ وحاشِيَةِ ابْنِ عابِدينَ الحَنَفِي؛ والبَيانِ والتَّحْصِيلِ لابْنِ رُشْدٍ رَحِمَهُ الله؛ وغَيرِها مِن مَثِيلاتِها، فَإنَّها تُكْسِبُهُمْ مَلَكَةَ التَّحْرِيرِ للمَسائلِ؛ والتَّدْقِيقِ فِي العِبارَةِ، والوُقوفِ طَوِيلًا عِنْدَ دَلالاتِ الألْفاظِ؛ حَتّى يَعْتادَ الناشِئَةُ والأَتْباعُ مِنْهُمْ علَى ذلكَ، فَإنّ المُتْبُوعَ إنْ كانَ فَقِيهَ النَّفْسِ أَثَّرَ ذلكَ فِي التابِعِ ولاَ بُدَّ، أَما التَّعْوِيلُ عَلَى النُّقُولاتِ مِن فَتاوِي ابْنِ تَيْمِيَةَ والدُّرَرِ السَّنِيَّةِ ونَحْوها مِن الكُتُبِ؛ فَإنَّها - وإنْ حَوَتْ خَيْرًا عَظِيمًا - إِلاّ أَنَّها لا تُكْسِبُ الطالِبَ