وفِي (الكُونْغو) كانَ الإنْسانُ يُباعُ علَى أنهُ طعامٌ مِن الأَطْعِمَة!، وفِي جَزيرَةِ (بَريطانيا الجَديدَةِ) ؛ كانَ اللحْمُ البَشَرِيُّ يُباعُ فِي دَكاكِينَ بَيْعَ القَصابِينَ للّحْمِ الحَيَوانِيّ!.
وَيُقالُ: إنّهُ فِي (مِيلانِيزْيا) - وهِي واحِدَةٌ مِن ثلاثِ مَناطِقَ رَئيسَةٍ فِي جُزُرِ المُحِيطِ الهادِئِ التِي يَتَراوَحُ عَدَدُها بَيْنَ عِشرِينَ وثلاثِينَ ألْفَ جَزِيرَةٍ؛ وهِي كَلِمَةٌ تَعْنِي الجُزُرَ السّوداءَ -؛ يُقالُ: كانَ الرئِيسُ هُناكَ وكَبِيرُ القَوْمِ يَفْتَخِرُ بِدَعْوَة أصْحابِهِ إلَى وَلِيمَةٍ يُقَدِّمُ فِيها لَهُمْ إنْسانًا مَشْوِيّا!
قِيلَ: وَقَدْ كانُوا يَفْعَلُونَ ذلكَ إمّا لاعْتِقادٍ دِينِيٍّ، أوْ وَفاءً بِوَعْدٍ، أو طَلَبًا لِدَواءٍ كَما كانَ يَصْنَعُ سُكانُ فَرَنْسا قَدِيمًا، أوْ طَلَبًا لانْتِقالِ القُوَّةِ الحَيَوِيَّةِ أوْ بَعْضِ الصفاتِ مِن المَأكُولِ إلَى الآكلِ!، أوْ تَكْرِيمًا واحْتِرامًا! لِبَعْضِ الأقارِبِ مِن المَوْتَى، أوْ تَوْثِيقًا للصِّلَةِ بَينَ الحَيِّ والمَيِّتِ؛ كما كانَ يَعْتَقِدُ سُكانُ (أسْتُرالِيا) الأَصْلِيُّون!، أوْ إنْتِقامًا وإذلالًا للعَدُوَّ، أو طَلَبًا للشجاعَةِ والحِكْمَة!، حَتَى إنْ كانَ فِي بَعْضِ القبائلِ مَن تَاكُلُ نِسائِهُمْ أَطْفالَهُنَّ إِذا ماتُوا اسْتِعادَةً للقُوَّةِ التِي بَذَلْنَها لَهُمْ لِينْتَفِعَ بِها الجَنِينُ فِي حَمْلٍ جَدِيدٍ!.
فَتَأمّلْ فِي قُبْحِ مَا حَكَيْناهُ لكَ فِي هَذا الفَصْلِ؛ كَيْفَ تَرَى ذَلكَ مُنافِيًا لِكُلِّ خُلُقٍ إنْسانِيِّ كَرِيمِ، ولِذا جاءَ الإسْلامُ وهُوَ خَيرُ الشرائِعِ وخاتَمُ الأَدْيانِ بِتَحْرِيمِ ذلكَ تَحْرِيمًا قاطِعًا، بَلْ كُلُّ الشراِعِ السماوِيَّةِ مَتَّفِقَةٌ علَيْه، وفِي المُحِيطِ لِبُرْهانِ الدِينِ بنِ مازَةَ مِن كُتُبِ الحَنَفِيةِ أنَّ تَحْرِيمَهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللهِ وحَقُّ الإنْسانِ، ونَحْوُهُ فِي تَبْيِينِ الحَقائقِ وغَيْرِه، ونَقَلَ فِي رَدِّ المُحْتارِ عَن البَزّازِيَّةِ تَعْلِيلَهُ بِكَرامَتِهِ، قَالَ: وَإِنْ قَالَ لَهُ آخَرُ (يَعْنِي: فِي الاضطِرارِ) ؛ اقْطَعْ يَدِيَ وَكُلْهَا لاَ يَحِلُّ؛ لأَنَّ لَحْمَ الإِنْسَانِ لاَ يُبَاحُ فِي الاضْطِرَارِ لِكَرَامَتِهِ. انْتَهَى، وفِيهِ للعُلَماءِ فِي الاضطِرارِ بَحْثٌ. انْتَهى.
وَهَذا يَدُلُّكَ علَى عِظَمِ الجِنايَةِ فِي العُدْوانِ علَى الأعْراضِ المُحَرَّمَةِ أَيْضًا، فَإنَّ اللهَ تَعالَى سَوَّى بَيْنَهُما فَقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} ؛ فَشَبَّهَ الوَلُوعَ بِنَهْشِ الأَعْراضِ بِمَنْ يُحِبُ أكْلَ لَحْمِ أَخِيهِ المَيِّتِ، ولأَنَّ ذِكْرَ المَثالِبِ وتَمْزِيقَ الأَعْراضِ كَحالِ مَنْ يُمَزِّقُ اللحْمَ عِنْدَ أكْلِه!، ولِذا يُؤَوَّلُ فِي التَعْبِيرِ بِهَذا، وقُدْ سُئِلْتُ مَرَّةَ عَنْ راءٍ رَأَى بَيْتًا كَأنَّما فُرِشَتْ أرَضُهُ بِشَرائِحَ مِن اللحْمِ؛ وفِيهِ امْرَأةٌ بِيدِها قِطْعَةٌ مِنه، فَقُلْتُ للسائلِ: صاحِبَةُ هَذَا البَيْتِ يَجْتَمِعُ عِنْدَها نِسْوَةٌ فَيْغْتَبْنَ عَيْرَهُنّ!، لأَنَّ الشّرائِحَ شَرٌّ لاَئِحٌ!، فَكانَ الأَمْرُ كَما ذَكَرْتُ.
وإنّما خَصَّ المَيِّتَ بالذِّكْرِ مُبالَغَةً فِي التّشْنِيعِ؛ وإغْلاظًا عَلَى المُغْتابِ؛ ولأنَّ الغَائِبَ المُجَرَّحَ لا يَسْتَطِيعُ الدّفْعَ عَن نَفْسِهِ؛ فَأشْبَهَ المَيِّتَ مِن هَذا الوَجْهِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلَى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَإنَّهُ يَتَأَلَّمُ قَلْبُهُ مِن قَرْضِ العِرْضِ؛ كَما يَتَألَّمُ جَسَدُهُ مِن قَطْعِ اللحْمِ؛ بَلْ عِرْضُ الإنْسانِ أَشْرَفُ مِن لَحْمِهِ وَدَمِهِ، ولِذا تَرَى الإنْسانَ أَكْثَرَ صَبْرًا علَى ما يُصابُ فِيهِ مِن هَذا، أما جَرْحُ العِرْضِ فَلا صَبْرَ لَهُ عَلَيه!.
وَحَكَى الأَلُوسِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ السُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ضَرَبَ المثَلَ لأَخْذِ العِرْضِ بِأَكْلِ اللحْمِ لأَنّ اللحْمَ سِتْرٌ عَلَى العَظْمِ، وَالشاتِمُ لأَخِيهِ كَأَنّهُ يَقْشِرُ وَيَكْشِفُ مَا عَلَيْهِ، وَكَأَنّهُ أَوْلَى مِمّا فِي المثَل. انتهى.