{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) }
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}
وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ويصلحها.
وقيل: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض ومن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.
ثم إن فيه تنبيهاً على فضيلة الملك وأن لولاه لما انتظم أمر العالم.
ولهذا قيل: الدين والملك توءمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أساس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج إلى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الأنبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب أن يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر في إقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض وتفصيله أن دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفي.
فالظاهر ما كان بالسواس الأربعة الأنبياء والملوك والحكماء المعنيين بقوله: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} (البقرة: 269) والوعاظ.
فسلطان الأنبياء عليهم السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل: نحن ملوك أبدانهم لا ملوك أديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة.
وأما الدفع الخفي فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب في التزام سلطان الظاهر {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ} عظيم لا يقادر قدره {عَلَى الْعَالَمِينَ} كافة يعني لكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتظم به مصالح العالم وتنصلح أحوال الأمم. ففضله تعالى يعم العوالم كلها أما في عالم الدنيا فبهداية طريق الرشد والصلاح.
وأما في الآخرة فبالجنات والدرجات والنجاة والفلاح ومن جملة فضله تعالى على العالمين دفع البليات عن بعض عباده بلا واسطة كالأنبياء وكمل الأولياء ومن اقتفى أثرهم من أهل اليقين.